الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

الأسبوع الثلاثون - أعراض جانبية





كلنا عرضة لأي سوء، قد تنتابك أعراض مرضية لم تختبرها من قبل؛ دوار، غثيان، رغبة في التقيؤ، تقول في نفسك " مجرد إجهاد، لن أكترث وسوف تذهب إلى حال سبيلها، غدا أكون على مايرام"، ولكن غدا لا يكون المروم، فالحال كما كان، بل أنه ازداد سوءا، إلا أنك قد تكابر اكثر وتمدد مهلة التعافي أسبوعا آخر، لكن الأسابيع لا تحمل أي إشارة تحسن، بل يزداد الحال سوءا، وعندما يبلغ الألم حدا لا يحتمل ..، تتحرك إلى الطبيب مسرعا، وفي الطريق إليه تهمهم بضيق ، الأن سيسألني عن عمري وطولي ووزني وعن تاريخي وتاريخ العائلة المرضي، سيعري نصفي الأعلى  (يا الله لقد كبرنا على التعري عند الأطباء) ثم يقول بصوته الرخيم (تمدد يا بني على السرير)  ثم تبدأ السماعة الباردة كما كانت دوما في الزحف فوق صدري، لكنني في هذه المرة سأطلب منه أن أسمع ما يسمع، سأحقق أمنيتي، فلطالما تمنيت عندما كنت طفلا أن أسمع ما يسمع الأطباء عبر تلك السماعة، فقد كنت دائما المسموع ولم أكن لمرة واحدة السامع..، كنت أتساءل دوما ...  ماذا يسمعون !!

قد يطلب منك صورا شعاعية ومغناطيسية، وأمورا ما أنزل الله بها من سلطان، لكنك تستحق كل هذا، فمن يخطيء فليستعد لدفع الثمن، وأكيد أنك فعلت أمرا ما أضر بعافيتك، قد يكون الإفراط في التدخين، قد يكون التفكير المستمر، قد تكون الأطعمة المكشوفة من على العربات المتجولة والثابتة، تحديدا (ساندويشة (الكباب) هذه الأخيرة، فقد كان منظر اللحم غير مطمئن، وكأنها قطط مسلوخة، إلا أنك لم تكن الوحيد هناك، فثمة شبان بعمر الورود كانوا يتحلقون حول العربة، وأنت لا ترى الآن أي واحد منهم يسلك طريقه إلى الطبيب كما تفعل أنت الآن !!

الحمد لله ... رد الطبيب جاء باردا، كما كانت السماعة (ألم يجدوا حلا لتدفئة هذه السماعة حتى الآن، فمنذ الطفولة حتى الآن وهي باردة؟)، لقد طمأنك بأن المشكلة بسيطة، مشكلة بسيطة في الأعصاب، يكتب لك الوصفة الطبية، ثم يودعك بقول "سلامتك"، ثم تودعك (السكرتيرة) هي الأخرى بعشرين دينار ثمن الكشفية !!

الدواء باهظ الثمن، مما يدفعك لقرأة النشرة المرفقة، وأول ما تقع عليه عيناك هو صفحة الأعراض الجانبية المكتوب عليها كالتالي:

 عادة ما تكون خفيفة إلى متوسطة غالبا دوار، صداع، إرهاق، نعاس، شعور بالغثيان، قيء زيادة الوزن، عصبية، أرق، اضطراب التوازن، حركات العين اللاإرادية وتشوش الإحساس، أحيانا يحدث وهن، رعشة، ألم في الظهر والعضلات، كسور أوديما الوجه، الأطراف أو الجسم كله، حكة جلدية، إضطراب الرؤية ( إظلام وازدواج الرؤية)، التهاب الأنف والبلعوم، سعال، اضطراب في الأسنان، التهابات في اللثة، تفكير غير متزن، اكتئاب، عسر التلفظ، ، عدم استقرار عاطفي، نادرا ما سجل حالات التهاب بنكرياس نزفي وأنماط من الحساسية، مثل ستيفنز جونز والحمامى المتشكلة، وأيضا سجلت حالات من السلوك العدائي وفرط الحركة عند الأطفال دون سن إثنى  عشر عاما، ازدياد الشهية، سلس بول، عجز جنسي، عسر الهضم، جفاف الفم، مسخن، مهلبية، كفتة بالطحين .. اكتبوا ستصبح (مصخرة) وانتهينا !!

تقول في نفسك: مستحيل، مستحيل أن أخذ هذا الدواء، علة واحدة خير من ألف علة، لو أصاب لا قدر الله  بنصف الأعراض أنفة الذكر، سأحتاج إلى طبيب نفسي، طبيب أسنان، أخصائي أنف أذن حنجرة، جلدية وتناسلية، باطنية ...، كم (سكرتيرة) ستأخذ مني عشرين دينارا، وأين وكيف؟ في هذه الحال، يجب أن أدعوا إلى اجتماع عاجل لــ(نقابة السكرتيرات) حتى يتسنى لي لقاؤهن دفعة واحدة !!

لكن الألم لا يتركك، فتقول في نفسك : حبة واحدة، لأجرب، لأغامر، أقرأ الشهادتين ثم ادفع الماء إلى جوفي بقوة، لكنك تستغفر الله على هذه الفكرة المجنونة..، أنها حياتك، أغلى ما تملك..، أنت الآن تتأرجح ما بين الألم وما بين احتمالية كارثة انسانية قد تحدث إذا ما تناولت هذا الدواء!

تذهب إلى الطبيب مرة أخرى، يتبسم في وجهك قائلا " ها ... كيف أصبحت" لكنك تدنو منه مترددا خجلا لتصارحه بموضوع الدواء ذي الألف عرض، يقهقه قليلا ثم يقول " هذه الأعراض تصيب أقل من واحد بالمئة من الناس"، فيأتي ردك سريعا (على أساس أنك حاذق)، ولماذا لا يكون هذا الواحد الذين تبحثون عنه هو أنا؟ فينظر إليك متعجبا بعد أن عدل من وضعية النظارات قليلا (وهو في الحقيقة يتمنى أن يصفعك ألف كف على خد واحد) ثم يقول : خذ الدواء يا بني وتوكل على الله ... توكل على الله ... لماذا قال ذلك !!  

الحمد لله، وضعك الآن طبيعي، وكل هذا أصبح سطورا من ذكريات، وها أنت الآن تمشي سليما معافى ...، وفي الطريق تصادف صديقا صغير السن، وبعد السؤال عن الأحوال والعمل، تلاحظ أن هناك انتفاخا خفيفا في عينه اليسرى، يتهرب من الإجابة المباشرة عن السبب، ولكنك بعد إلحاح، تعرف أن الصديق كان قد تعرض للضرب المبرح من قبل إخوان صديقته الحالية، تعود بك الذاكرة إلى أيام كنت فيها في مثل عمره، لم يحدث أن ضربت، لأنك كنت سريعا جدا في العدو ولين الجسم أثناء المراوغة، ولكن ربطا عجيبا يحدث ما بين نشرة الدواء ذي الألف عرض وبين الحادث الذي تعرض له صديقك الصغير، فهذا الشاب الذي أصيب بمرض الفراغ العاطفي خال أن الدواء قد يكون في حب أي فتاة، ولكنه نسي أن العلاج يكون مصحوبا بأعراض جانبية، تحديدا في المجتمعات العربية، فتتسأل في نفسك : لماذا لا يكون هناك نشرة أعراض جانبية  مرافقة لكل فتاة كأن تكون مثلا:

قد تظهر بعض الكدمات على وجهك بمعدل متفاوت اسبوعيا (حسب عدد القتلات)، فإذا كان لها من الإخوة اثنان (زينغو ورينغو) فستظهر الكدمات مرتين اسبوعيا، إذا كانوا ثلاثة (زعبور، فرفور،  شرشو) فأن الكدمات ستكون بمعدل ثلاث مرات اسبوعيا، قد تصبح شحاذا على أبواب الجوامع بــ(بربور) أخضر، ذلك أنها من النوع الذي يتردد على العرافات والسحرة، فتنال نصيبك من مختلف أنواع الحجب : وقف حال، وعدم التوفيق و ...، قد يصاب شرفك الرفيع بالأذى في حال الإفراج عن ابن عمها المحكوم بقضية (شرف)، ليكتشف فور خروجه أن الشرف أغلى ما يملك فــ................ !! 

لكن الغريب أنك لن تستغني عنها تماما مثل حبة الدواء ذات الأعراض الجانبية الألف .... 


www.osbo3yatjaber.blogspot.com

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

الأسبوع التاسع والعشرون - سيرة (تلفون)





       منذ زمان ليس بالبعيد، كان الهاتف الأرضي هو وسيلة الإتصال المباشر الوحيدة؛ بالذات هذا لأسود الذي تتوسطه بكرة معدنية أو بلاستيكية فيها الأرقام من صفر إلى تسعة، بحيث تضع إصبعك على الرقم المطلوب ثم تدير البكرة حتى نهاية الدائرة، ثم تنتظر حتى تعود البكرة إلى نقطة البداية، مكررا هذه الخطوة ست أو سبع مرات (حسب عدد خانات الرقم المطلوب) لتصل بالنهاية إلى وجهة اتصالك.

 وفي كثير من الأحيان كنت تجري تلك العملية التي قد تأخذ من الوقت أكثر من خمسة دقائق كي تجري محادثة هاتفية لأقل من دقيقة !  وفي احيان أخر كنت تنسى اسم الشخص المطلوب لطول العملية!،  لذلك فأنك في العديد من المرات كنت تفضل الذهاب إلى بيت الشخص المطلوب على أن تجري هذه العملية الطويلة !!

إلا أن ذلك لم يكن ليقلل من هيبة هذا الهاتف الذي لعب دورا إحتماعيا بارزا يتمثل في تعزيز الترابط والتآخي، فعلى سبيل المثال، عندما كنت تتلقى مكالمة هاتفية، غايتها الإطمئنان عن أحوالك، فأن ذلك كان يعني لك الكثير، ذلك أن المتصل قد احتمل ما احتمل في سبيل الوصول إليك؛ ست دورات كاملة ذهابا ووإيابا لهذا القرص الذي يشبه في بطء حركته إمرأة سمينة باردة القلب تقطع الشارع من أمام سيارتك دونما أي اكتراث لوجودك أو إيماءة تدل على الشكر لأنك أوقفت سيارتك كي تعبر، ناهيك عن حرص المتصل الإبقاء على مشاعره في حالة حياد تام، فأي إنفعال كأن يضحك ويندفع خطوة إلى الوراء قد يتسبب في انقطاع السلك القصير ليقع الهاتف من بعد ذلك ويتحطم، وأنت أيضا بدورك كنت تقف ثابتا محافظا على حياديتك، فأي حركة خاطئة قد تكلفك الكثير، كان الإحترام متبادلا، المتصل والمتلقي يقفان في وضع عسكري حتى إنهاء المكالمة !!  

هذا الهاتف الأرضي كان يشبه في هيبته مديرا عاما يستقر في كرسيه بكل هدوء وثقة، فدخوله بيتك لم يكن بالمجان، فقد كانت رسوم اشتراكه مرتفعة جدا، حتى أنك كنت تصبح حديث الجيران عندما كانوا يشاهدون وصول موكب الهاتف المهيب، هذا الذي يتضمن (بكب) وزارة المواصلات الأحمر والذي يكون في داخله فريق فني يعملون على توصيل الأسلاك من بيتك إلى عامود الهاتف الخشبي لمدة تصل أحيانا إلى أربع ساعات، وليس هذا فقط بل أن الهاتف الأرضي كان لاعبا رئيسا في سوق العقارات، فالمنزل الذي فيه هاتف أكثر قيمة من المنزل الذي ليس فيه هاتف .

وإلى جانب الإنتظار الطويل جدا والذي قد يصل إلى عامين أو أكثر في بعض الأحيان بعد تقديم الطلب لوصول حضرته إلى بيتك، ثمة انتظارات أخرى، مثل تلك التي كنت تنتظر فيها مكالمة من الحبيبة، عندما كنت تحرص على الجلوس في مدى قريب منه، كي يتسنى لك الرد عليها قبل أن يرد أخوك (الفساد) الصغير ويبلغ أباك لتصبح ليلتلك بيضا مسلوقا بالوحل، ولإنتظار الأمهات أمام الهاتف شجون اخرى، فعندما كان يسافر أحد الأبناء إلى الخارج، فأن الأم كانت تتسمر أمامه، داعية الله بأن يرن، حتى تطمئن على وصول ابنها بالسلامة، أما رنينه فقد كان له دلالات متعددة، فرنينه صباحا يعني أن المتصل سيكون إحدى خالاتك أو صديقات أمك، مما يتيح لك الفرصة للقيام بأي عمل كنت تنوي فعله دون علم أمك، ذلك أنها لن تفلت السماعة قبل آذان الظهر، أما رنينه ساعة الغروب فقد كان يدل على أن المتصل هو أبوك يسأل ما إذا ما كانت العائلة بحاجة إلى أي شيء، فتقوم أمك بدورها بقرأة اللائحة التي أعدتها منذ العصر؛ مشاو، فواكه، ايس كريم، كنافة، دواء للسعلة ... فتسمع صوت أبيك المضغوط عبر السماعة وهو يلعن الساعة التي دخل فيها الهاتف إلى البيت، لكن الغريب في الأمر أنه كان يعود إلى البيت محملا بكل الطلبات !!

 أما رنين الهاتف بعد منتصف الليل والعياذ بالله، فقد كان له الدلالة الأسوأ، حادث أو وفاة او أي مصيبة أخرى، وبالمناسبة فأن مخرجي الأفلام المصرية قد لعبوا على هذا الوتر كثيرا، فالمشهد الخالد في الذاكرة، هو ذلك المشهد عندما يتلقى أحدهم هاتفا مفاجئا، ليكون رد المتلقي ...

( ايه بتئول ايه ... امتى الكلام دة حصل ... مش ممكن )

ثم تسقط السماعة السوداء من يده بينما تشرع اليد الأخرى في زحزحة  ربطة العنق يمينا وشمالا، وفي ذلك إشارة للمشاهد أن البطل أصيب بنوبة قلبية، لينتقل المشهد بعد ذلك إلى المستشفى، حيث يركض أهل المصاب باتجاه الطبيب الذي يقف بدورة قائلا بصوت عميق :

 (شدو حيلكم)

فيقاطعه أهل المصاب :

 ( الشدة بالله يا دكتور)

فيرد الطبيب :

( احنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا) !!

وللهاتف الأرضي فضل وافر على البشرية وذلك من خلال الحفاظ على رشاقة الناس، ففي وقت كانت فيه ثقافة صحة الجسد شبه غائبة، وفي وقت لم تكن فيه مراكز اللياقة البدنية أو ما يعرف في أيامنا هذه بالــ (جيم)، فقد لعب الهاتف الأرضي دور مدرب اللياقة البدنية المنزلية، فكلما رن كنت تركض مسرعا إلى الغرفة التي كان يتربع فيها مثل ملك، والتي كانت على الأغلب غرفة نوم أمك وأبوك لتليق بمكانته نظرا لحساسية تلك الغرفة وأهميتها في كل بيت عربي (غرفة العمليات)، حتى أنك أحيانا كنت تركض من الحديقة إلى تلك الغرفة لأكثر من عشرة مرات في النهار الواحد، لأن أمك كثيرة الأخوات والصديقات، وبهذا فلا مجال لأي فائض من السعرات الحرارية لأن يبقى مخزنا في جسدك ! !

وللفقيد دور فاعل في رفع سوية منظومة الأخلاق من خلال المحافظة على الهدوء العام، فكلما ارتفع صوت التلفاز، صرخت امك بوجهك كي تخفضه، ليتسنى لها سماع أي رنين مباغت، وكلما علت أصوات الضحكات أثناء السهرات الصيفية في الحديقة، انتقلت أمك من حالة الابتسام إلى حالة العبوس في إشارة منها إلى تخفيف الوتيرة حتى يكون بالإمكان سماع أي رنين محتمل !!

مرت الأيام والسنين، وكأي ذي شأن رفيع، بدأت تحاك ضد الهاتف الأرضي المؤامرت والدسائس، وكان للمتآمرين ما أرادوا عندما ظهر هاتف أرضي جديد بلوحة أرقام عوضا عن البكرة، وبميزة جديدة تسمى (لاود سبيكر) والتي من خلالها يمكنك الحديث دونما سماعة، فصار التواصل أسهل، بينما قل الإحترام، فقد صار بإمكانك أن تتحرك قليلا أثناء التحدث عبر الهاتف، كما أن تقديرك للمتصل قل، ذلك أن عملية الإتصال صارت أسهل وأسرع  عن طريق لوحة الأرقام، أي أن المتصل لم يعان قبل الوصول إليك مثلما كان يعاني أيام البكرة التي كانت تدور ببطء المرأة السمينة التي تعبر الشارع !!

ألا أكلت يوم أكل الثورة الأبيض، قد يكون هذا لسان حال هاتف لوحة المفاتيح فور ظهور الهاتف اللاسلكي، فهاتف لوحة المفاتيح الذي أطاح بأسلافه (هواتف البكرات) غدا اليوم ضحية الهاتف اللاسلكي، وهذا الأخير قام بالتمهيد للعصر الجديد  (عصر الهواتف الخلوية)، فالمتصل بك الآن مشكوك في تقديره لك، فقد يكون مضطجعا على سريره حاملا هاتفه اللاسلكي بيد، عابثا بأصابع قدميه باليد الأخرى، كما أن الهدوء ما عاد مطلوبا، فالهاتف معك أينما كنت : في الحديقة، في المرآب، فوق السطح، داخل خزان الماء ...، كما بدأت السمنة بالشيوع، ذلك أنه لا ركض بعد اليوم إلى غرفة النوم، إلا أن الحسنة الوحيدة التي حملها هذا الهاتف هي أنك ما عدت مضطرا لرشوة أخيك الصغير بمبلغ (ربع ليرة) حتى يذهب إلى الدكان لشراء (اصبعين تويكس) حتى تخلوا لك الأجواء، فمكالمة الحبيبة صارت متاحة الأن من المطبخ، أو من فوق الشجرة ... أو حتى من الحمام !!

ثم كان التغير الجذري ... ثورة الخلويات، ومثل أي منتج جديد يكون حكرا على الميسورين، كذلك كان الهاتف الخلوي، فكلفته كانت تساوي ثمن سيارة مستعملة، غير أن فاتورة هاتفك كانت اعلى من فاتورة وقود سيارتك الشهري، والأدهى من ذلك أن المتلقي كان يدفع نصف المكالمة- أي أن الفاتورة كانت على المتصل والمتصل به - ثم أبتدأ التنافس، وذهبت الأسعار إلى انخفاض دائم، وصار بالإمكان لأي شخص اقتناء هاتف خلوي. ومرت ثورة الخلويات بمراحل عديدة: خلويات لها (أنتين) بحيث لا تتمكن من الحديث إلا عند رفعه مما يضطرك للنظر يمنة ويسرة للتاكد من خلو الشارع من المارة؛ فأي رفعة خاطئة للـ(أنتين) قد تقتلع عين أحدهم بسبب طول (الأنتين) الفارع، وخلويات بأحجام كبيرة، مثل نوكيا (شحاطة) هذا الذي كان يستعمل في المشاجرات كثيرا، لكفاءته في شج أي جمجمة يرمى عليها، ثم هواتف أصغر برنات أجمل (هارموني)، ثم هواتف بشاشات ملونة، ثم، ثم ... ألى أن وصلنا إلى جيل الهواتف الذكية أي فون وأخوته.

أنت الآن تحمل في جيبك عالما صغيرا، ملفات مسجلة، ملفات مصورة، ملفات فيديو، ألعاب للتسلية، وأكثر من ذلك بكثير، وكل ذلك موجود على جهاز لا يتجاوز بحجمه قبضة اليد الواحدة، تتصل بأي أحد من أقاربك عن طريق ثلاث نقرات وفي مدة لا تتجاوز ثوان معدودة يأتي الرد، بإمكانك أن تسجل اللحظات السعيدة في حياتك، وبإمكانك، وبإمكانك ... ياه هل نحن في الجنة يا "ستيف جوبز" !!

ياه كم تغير الهاتف ...

وبذلك أكون قد أنهيت سرد السيرة الذاتية للـ(تلفون) عليكم

قد يظن أحدكم أن أفكاري نضبت، وقد يلعن آخر الساعة التي دخل فيها المدونة، فبعد أن تعطل لعشر دقائق أو اكثر لقرأة الإدراج، يجد نفسه متورطا في قرأة سيرة ذاتية لهاتف، إلا أنني عندما قررت الخوض في تجربة جديدة  (كتابة سير ذاتية)، لم اجد أي شخص معاصر يستحق ذلك، فارتأيت أن أكتب عن سيرة (التلفون) الذاتية، وهل تنكرون أن شغف الهواتف الخلوية صار اليوم أكثر من قلق الناس على بعضها بعضا، قد يتشاجر معك أحدهم، لتدوم القطيعة إلى ما لا نهاية، وقد لا يأسف عليك ولو حتى بتنهيدة واحدة، أما إذا ضاع الهاتف ... فقد يذرف الدمع !!

زمان كانت الناس مقامات، لكن الحال تبدل الآن وصارت الأشياء مقامات، والناس صارت جزءا من هذه الأشياء، لذلك اردت أن أزين مدونتي بالسيرة الذاتية لهذا الشيء العظيم ...

www.osbo3yatjaber.blogspot.com







الأربعاء، 29 أغسطس 2012

الأسبوع الثامن والعشرون - السطر الأول





في أعوامك الدراسية الأولى، تلك التي كنت فيها كتلة هزيلة من اللحم الغض والعظم الطري؛ تقف أمام أمك وهي تحكم إغلاق أزرار (مريولك) المدرسي البغيض، هذا الذي بينك وبينه عداوة بحكم ذكورتك التي تتحرق إلى الخلاص من كل ما هو مشترك بينك وبين الإناث، بينما يجلس أبوك خلف مقود السيارة مرسلا الزامور تلوالآخرأملا في أن تتعجل، لكن هيهات الخلاص من أمك التي تقبلك ثم تتاكد بأنك ترتدي "الكولون" هذا البغيض الآخر الذي يساوي (صوبة رومو) قدرا في مقاييس أمك !!

وما أن تتحرك السيارة حتى يستدير رأسك إلى الوراء، لتلقي نظرة الوداع إلى أمك التي تقف بالباب منادية؛ بأن لاتنسى أن تشرب عصير"كارولين" بعد الإنتهاء من (ساندويشة اللبنة والزيتون)، ولا تنسى أن تعيد (كيس الساندويشة)، ومن الممكن أنها كانت تقول أشياء أخرى، ولكنك لم تكن لتسمعها بحكم ابتعاد السيارة عن البيت !

أنت الآن في السيارة، كل شيء أسود في عينيك، تماما مثل الذي يساق إلى حبل المشنقة، فبعد أعوام من من اللهو واللعب والسهر حتى نهاية مسلسل السهرة – هذا الذي كان يبدأ بعد نشرة أخبار الثامنة مساء والتي كان يقدمها غالب الحديدي وسوسن تفاحة -  ها أنت تذهب إلى مكان تجهله اسمه المدرسة.

أنت الآن في المدرسة، إنه اليوم الأول، ذلك الذي يشبه في أهواله يوم القيامة، أنت الآن متأكد من أن أباك صار بعيدا عنك، وأمك أبعد، أنت الآن في غربة، خوفك يزداد، نبض قلبك يتسارع، وهذه الحقيبة باهظة الثمن التي اشترتها لك أمك من "كارت بلانش" في الشميساني لن تفلح في التخفيف من روعك، ومقلمة "غرندايزر" التي اشتراها أبوك من (البسطة) صارت كئيبة أيضا، لا كما كانت بهيجة ليلة البارحة وأنت تملؤها بالأقلام والمساطر.

تقف في الطابور، تتأمل بفضول طفولي ذلك المشهد الجديد من حولك، تشعر بقليل من الراحة عندما ترى أن أقرانك من الأطفال أشد رعبا وذعرا منك، تشعر بالارتياح أكثر عندما تتيقن بأن حقيبتك هي الأجمل، رغم أنها لم تكن "سبونش بوب" كما لم تصبح حقائب الفتيات "فلة"، وذلك لعدم ظهور (سبيس تون) بعد، لكنها كانت الأجمل، فتختبر شعور (البرجوازي القذر) للمرة الأولى في حياتك، شعور جميل بالفوقية ... الطالبة التي أمامك تنظر إلى السماء، فيدفعك فضول طفولي لسؤالها أن إلام تنظرين؟ فتقول: إلى السماء، أشعر بالارتياح كلما شعرت بوجود الله معي في ساعة العسرة هذه ! ساعة العسرة !! هل نحن في غزوة؟ فتسأل نفسك مالذي دفع بأبويك إلى اقحامك في هذه الورطة؟ أهو العقاب لأنك كنت مشاغبا البارحة؟ حسنا ... عندما أعود إلى البيت سأعتذر منهما، ولن أشاغب قط على أن لا يرسلاني إلى هذا المكان الحقير مرة أخرى ... ولكن هل من مرة أخرى؟ هل سأعود إلى البيت؟ هل سأخرج من هذا المكان سالما، أشعر أنها القيامة وبعد قليل سأغادر إلى جنة أو نار !!

تتابع تفحص المكان، فتستقر نظراتك على صف المعلمات، فيهرب كل تبقى من الراحة عندما تتفرس وجوههن، هن مجموعة من العسكر، ولسن مجموعة نساء، وقفت إحداهن بملامحها الصارمة جدا، ورقبتها المشرئبة كما (ديك الحبش)، فتعرف على الفور بأنها رئيسة الكتيبة، أو كما جاء في مسماها الوظيفي مديرة مدرسة، في هذه اللحظة بالذات تتمنى لو أنك ترى وجه أمك الدافيء بينهن عله يرسل القليل من الطمأنينة إلى قلبك المفزوع !
هناك في البعيد وعند المدخل المقابل بالتحديد، تلمح إمرأة سمراء مسنة، في يدها مكنسة، تعرف لاحقا بأن اسمها "بدرية"، أنت الآن تدخل إلى غرفة الصف وعند الباب تتسنى لك رؤية "بدرية" عن قرب، جسد ضئيل، ووجه متعب جدا، وكأنما بؤس الإنسانية قاطبة اجتمع فيه، تتمنى لو أن هذا الذي تعيشه الآن مجرد كابوس سرعان ما سيذهب !!

في الصف، هناك فتاة تشبه القطة الشيرازية، بيضاء وشعرها "الكاريه" الناعم جدا كما "اليابانيات" يستقر فوق رأسها كما لو كان شعرا مستعارا، يطيب لك المشهد فتجلس إلى جانبها، ولا تعرف إن كان هذا حصل لأنك مؤمن بأن الله جميل يحب الجمال، أم لأنك (نسونجي) منذ الصغر !!

لكن "ديمة" ترتعد، إنها خائفة جدا، تخرج عصير "كارولين" من ((((((((السبت الأخضر وتمده لها، علها تهديء من روعها، لكن "ديمة" خائفة جدا، حالها حال الأغلبية في هذا الصف اللعين، ترفض "ديمة" العصير، فتنظر إلى (مطرتها) الزرقاء في إشارة منها بأن هذه (المطرة) ممتلئة بـ(عصير زاكي) !

ثم فجأة يعم الهدوء، واحدة من صف العسكر الذي كان في الخارج تدخل الصف، تقف أمام الأطفال، تقدم نفسها كمربية للصف، ثم تشرع في السؤال عن طموحاتهم حين يكبرون، فيقول أحدهم غواص وآخر رائد فضاء، وهي تحمسهم بأسلوب جميل، لكن التفاعل لازال قليلا، ذلك أن الأغلبية لا زالت ترتعش، وها انت الآن ترى هذه المعلمة جميلة، فعندما نطقت وتبسمت وصفقت تغيرت ملامحها، ولست تدري هل صارت جميلة لأنها ابتعدت عن صف العسكر، أم لأن روحها جميلة صارت ملامحها أيضا جميلة، وها أنت الآن تشهد بأن أنسب الكائنات للتعامل مع الأطفال هو الأنثى، لأنك اليوم لما كبرت وعرفت الحقيقة من حولك، لن تحتمل سذاجة طفل يقول لك بانه سيكون غواص، ستنقلب على ظهرك ضاحكا ثم تقمعه ( قول مواسرجي ... غواص مرة وحدة)، أما رائد الفضاء فبعد ان تصاب بوجع المعدة لكثرة ما ضحكت، سيكون جوابك له بأنه عندما ينتج عالمه العربي "تلسكوب" وحتى لو كان مداه شباك (الجارة) على أحسن تقدير، يحق لك أن تحلم بهذا، لكن المعلمة كانت تحييك وتصفق لك !

الحصة الثانية تدخل، المعلمة التالية بدينة ذات ملامح متجهمة، نظرة لئيمة واحدة منها قضت على القلة التي كانت متفائلة قبل قليل، الرعب الآن يسبر أسرع من النار في الهشيم، ولتزداد الأمور تعقيدا، فأن المعلمة تجلس في الصف لحصتين متتاليتين ... يالطيف، ديما تبكي وتقول بصوت خافت (بدي ماما)، تفكر بأن تهديء من روعها عبر (ساندويشة اللبنة والزيتون) لكنك تتراجع عن قرارك لأنك جائع، وتقول في سرك لـ"ديمة" رب يحميها (وانا مالي) !!

دق الجرس خرج الجميع إلى الساحة، وبعد ان التهمت وجبتك الشهية التي ذكرتك بأمك، ذهبت إلى الحمام، وهناك شاهدت ما لم تكن للتوقع ...

طابور طويل من الطلاب والطالبات يقفون وقد خلعو الجزء السفلي من ملابسهم بأكمله، و "بدرية" تغسلهم الواحد تلو الآخر، لقد (عملوها تحتهم) من شدة الرعب، و"بدرية" تتأفف وتقول " هكذا دائما في في بداية العام"، أنها بفطرتها البسيطة تشير إلى ما توصل إليه علم النفس حديثا، والذي سمي بقلق الإنفصال، وهو عادة ما يصيب الأطفال في يومهم الدراسي الأول عندما يتركون أمهاتهم لساعات ما اعتادوا عليها من قبل، فرغت من قضاء حاجتك وأطلقت ساقيك للريح، تاركا ذلك المشهد المرعب، ولكن أين تهرب، فكل مكان موت، ترجوا الله أن يمضي الكابوس على خير !

مسكينة "بدرية" هي لم تتزوج، واكيد انها كانت تتمنى الأطفال، ولكن هذا الذي جاءها من أطفال ليسوا لها، فضلاتهم، وزبالتهم التي يخلفونها في الساحة والصفوف، غريبة هذه الدنيا، صدقا غريبة، واكيد أن "بدرية" تفعل كل هذا من أجل 80 دينار على أحسن الحالات ... كم أنت صعب يا رغيف الخبز !!

تمر الحصص المتبقية، وها انت تلمح والدك وقد ركن السيارة في الظل، فتندفع مسرعا لتخرج من هذا الكابوس الرهيب، وفي عقلك الطفولي بأنك بكل بساطة ستسرد أحداث اليوم الرهيبة لأمك، كي لا ترسلك إلى المدرسة مجددا، ولكن هيهات، ستعود لتمضي فيها اكثر من ثلاثة أرباع عامك، ويطول بك الحال لأعوام وأعوام، لقد أزعجك مشهد الحمام، ولكنك لم تكن تدري بأن حياتك القادمة كلها ستكون "كاكا"، وما اليوم المدرسي الأول إلا فصلا واحدا من فصول معاناتك، فهناك زيارات لطبيب الأسنان، وهناك امراض، وهناك حقن حادة، وهناك زعل، وهناك (توجيهي)، وهناك حروب، وهناك موت، وهناك وهناك ...


هذا كان السطر الأول من كتاب حياتك، فلو انك استقلت يومها ...

osbo3yatjaber.blogspot.com



الثلاثاء، 5 يوليو 2011

الأسبوع السابع والعشرون - المشهد الأخير



تبدأ الحكاية عندما يكتظ الفضاء بالغاز الفاسد، تملأ الرئات بالقهر، تزكم الأنوف؛ فيصير تنشق حياة اعتيادية أمرا غاية في المشقة، ينحسر الأكسجين في فضاء ضيق يتسع فقط لصاحب المقام الرفيع وعائلته، وذوي المنفعة، ولما كان من سنن الكون، أن انتشار الغاز الفاسد يكون مشروطا بغياب ذوي الألباب وأصحاب الرأي الرشيد، القابعين في غياهب الزنازين؛ فأن أحدا لم يحذر صاحب المقام الرفيع بأن الغاز الفاسد سريع الإشتعال !



يرضى الشاب الجامعي ببيع الخضار، ولكنها لا ترضى به، تقلب بسطته؛ فيؤثر أن يكون رمادا لما يوقن أن الأرض لا تتسع لأي كتلة صلصالية خاوية، يشعل النار في نفسه، فما يلتقط الغاز الفاسد تلك الشرارة حتى يحترق الفضاء بأكمله، تطال النار هواء صاحب المقام الرفيع المعقم، فيسارع إلى زيارة "رمز" الثورة، يحرص على الابتسام لالتقاط صورة إلى جانبه، علها تطفيء اللهب العام، لكن "الرمز" لا يبتسم لأنه صار جثة متفحمة تلاشت ملامحها !


يعلو أجيج اللهب؛ فيظهر صاحب المقام الرفيع بكامل كبريائه مساء، ويعد الناس بالإصلاح، فيأتي الجواب " الئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " يظهر كرة ثانية بكبرياء غير مكتمل، يستأذنهم الجلوس ثلاثة أعوام أخرى، لكن هيهات ... هيهات؛ فقلب الشعب ما عاد يحتمل وزنه الزائد دقيقة أخرى، يظهر للمرة الأخيرة مجردا من كبريائه، يجزم بصوته المكسور أنه الآن فقط فهمهم ... أي نعم فهمهم ... فهمهم ..؛ فيستعر الفضاء أكثر، إذ لو كان واحدا منهم لما أصر على الخروج برأسه الأسود خلافا عن رؤوسهم البيضاء التي ( هرمت من أجل هذه اللحظة التاريخية ) !!


تنضب الحيل؛ فيستدعي صاحب المقام الرفيع قائد الجيش إلى قصره الذي لن ينام فيه بعد الآن، يأمره بأن يطفيء النار بالدم، ناسيا أن الدم أسرع اشتعالا من الغاز الفاسد؛ فيرفض قائد الجيش عقوق أبيه، يبتسم صاحب المقام الرفيع مزهوا، فيرد قائد الجيش ببسمة مضادة لما يعلم أن صاحب المقام الرفيع أخطأ فهم المجاز، فابن الشعب لم يكن يوما ابنا للرئيس، وإن اجتمعت في هذا الرئيس كل مواصفات "الزين" !!


ضاقت على الرئيس كأنها تابوت؛ فلا عاصم له اليوم من اللهب ..، إلى المطار.. حيث الخرم الأخير في التابوت المستعر، يصعد سلم الطائرة بخطوات شديدة الإضطراب؛ فلا شيء فيه اليوم "زين"!، تصعد خلف الرجل العظيم المرأة التي كانت قبل الآن سيدة أولى، الآن فقط تتمنى لو أنها ليست وراءه، ولا إلى جانبه، ولا حتى في مخيلته، تتمنى لو أنه ظلت (كوافيرة) تشرب الشاي برفقة النسوة بعد نهار عمل طويل، هذي التي ظنت أن البلاد لها، تتمنى الآن لو أن لها ذرة من تراب "تونس" علها تحملها !!


تحلق الطائرة التي تقل الأسرة المنكوبة، والتي تركت وراءها كنوز الماس والذهب واليورو والدولار، تحلق في الفضاء المظلم، بداية، تتجه إلى باريس، بيد أن مدينة الأضواء ترفض استقبالهم درءا لــ(وجع الراس)؛ فالعائلة التي كان يفتح لها قصر فرساي صارت اليوم مصدرا لوجع الرأس!، يلتفت الطيار إلى الرجل الذي صار اليوم "زين" من هرب، بعد أن كان "زين" من عبد، ويسأله عن الوجهة التالية، يطرق الرئيس ثم يقول : إلى المجهول، وهكذا يصبح المجهول المعتم أرحم من مسقط الرأس !!


ينظر الأستاذ في ساعته، خمس دقائق وتنتهي الحصة، يسأل التلاميذ: هل عرفتم قصة من هذه كانت؟، فيجيب التلميذ : زين الهاربين، ويجيب آخر : السبعيني ذي الشعر الأسود، ويجيب ثالث: فهمتكم !، يتبسم الأستاذ لأن صورة الرئيس البهية بشعره المصفف الأنيق وبذلاته البيضاء الفاقع لونها، لم تلتصق بذاكرة أحد منهم، وما التصقت إلا صورة الرجل المهزوم المكسور، الذي بعد أن فهم ناسه، ولى هاربا !!


يخرج الأستاذ من غرفة الصف، وهو يدعو الله بحسن المشهد الأخير

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/