الثلاثاء، 5 يوليو، 2011

الأسبوع السابع والعشرون - المشهد الأخير



تبدأ الحكاية عندما يكتظ الفضاء بالغاز الفاسد، تملأ الرئات بالقهر، تزكم الأنوف؛ فيصير تنشق حياة اعتيادية أمرا غاية في المشقة، ينحسر الأكسجين في فضاء ضيق يتسع فقط لصاحب المقام الرفيع وعائلته، وذوي المنفعة، ولما كان من سنن الكون، أن انتشار الغاز الفاسد يكون مشروطا بغياب ذوي الألباب وأصحاب الرأي الرشيد، القابعين في غياهب الزنازين؛ فأن أحدا لم يحذر صاحب المقام الرفيع بأن الغاز الفاسد سريع الإشتعال !



يرضى الشاب الجامعي ببيع الخضار، ولكنها لا ترضى به، تقلب بسطته؛ فيؤثر أن يكون رمادا لما يوقن أن الأرض لا تتسع لأي كتلة صلصالية خاوية، يشعل النار في نفسه، فما يلتقط الغاز الفاسد تلك الشرارة حتى يحترق الفضاء بأكمله، تطال النار هواء صاحب المقام الرفيع المعقم، فيسارع إلى زيارة "رمز" الثورة، يحرص على الابتسام لالتقاط صورة إلى جانبه، علها تطفيء اللهب العام، لكن "الرمز" لا يبتسم لأنه صار جثة متفحمة تلاشت ملامحها !


يعلو أجيج اللهب؛ فيظهر صاحب المقام الرفيع بكامل كبريائه مساء، ويعد الناس بالإصلاح، فيأتي الجواب " الئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " يظهر كرة ثانية بكبرياء غير مكتمل، يستأذنهم الجلوس ثلاثة أعوام أخرى، لكن هيهات ... هيهات؛ فقلب الشعب ما عاد يحتمل وزنه الزائد دقيقة أخرى، يظهر للمرة الأخيرة مجردا من كبريائه، يجزم بصوته المكسور أنه الآن فقط فهمهم ... أي نعم فهمهم ... فهمهم ..؛ فيستعر الفضاء أكثر، إذ لو كان واحدا منهم لما أصر على الخروج برأسه الأسود خلافا عن رؤوسهم البيضاء التي ( هرمت من أجل هذه اللحظة التاريخية ) !!


تنضب الحيل؛ فيستدعي صاحب المقام الرفيع قائد الجيش إلى قصره الذي لن ينام فيه بعد الآن، يأمره بأن يطفيء النار بالدم، ناسيا أن الدم أسرع اشتعالا من الغاز الفاسد؛ فيرفض قائد الجيش عقوق أبيه، يبتسم صاحب المقام الرفيع مزهوا، فيرد قائد الجيش ببسمة مضادة لما يعلم أن صاحب المقام الرفيع أخطأ فهم المجاز، فابن الشعب لم يكن يوما ابنا للرئيس، وإن اجتمعت في هذا الرئيس كل مواصفات "الزين" !!


ضاقت على الرئيس كأنها تابوت؛ فلا عاصم له اليوم من اللهب ..، إلى المطار.. حيث الخرم الأخير في التابوت المستعر، يصعد سلم الطائرة بخطوات شديدة الإضطراب؛ فلا شيء فيه اليوم "زين"!، تصعد خلف الرجل العظيم المرأة التي كانت قبل الآن سيدة أولى، الآن فقط تتمنى لو أنها ليست وراءه، ولا إلى جانبه، ولا حتى في مخيلته، تتمنى لو أنه ظلت (كوافيرة) تشرب الشاي برفقة النسوة بعد نهار عمل طويل، هذي التي ظنت أن البلاد لها، تتمنى الآن لو أن لها ذرة من تراب "تونس" علها تحملها !!


تحلق الطائرة التي تقل الأسرة المنكوبة، والتي تركت وراءها كنوز الماس والذهب واليورو والدولار، تحلق في الفضاء المظلم، بداية، تتجه إلى باريس، بيد أن مدينة الأضواء ترفض استقبالهم درءا لــ(وجع الراس)؛ فالعائلة التي كان يفتح لها قصر فرساي صارت اليوم مصدرا لوجع الرأس!، يلتفت الطيار إلى الرجل الذي صار اليوم "زين" من هرب، بعد أن كان "زين" من عبد، ويسأله عن الوجهة التالية، يطرق الرئيس ثم يقول : إلى المجهول، وهكذا يصبح المجهول المعتم أرحم من مسقط الرأس !!


ينظر الأستاذ في ساعته، خمس دقائق وتنتهي الحصة، يسأل التلاميذ: هل عرفتم قصة من هذه كانت؟، فيجيب التلميذ : زين الهاربين، ويجيب آخر : السبعيني ذي الشعر الأسود، ويجيب ثالث: فهمتكم !، يتبسم الأستاذ لأن صورة الرئيس البهية بشعره المصفف الأنيق وبذلاته البيضاء الفاقع لونها، لم تلتصق بذاكرة أحد منهم، وما التصقت إلا صورة الرجل المهزوم المكسور، الذي بعد أن فهم ناسه، ولى هاربا !!


يخرج الأستاذ من غرفة الصف، وهو يدعو الله بحسن المشهد الأخير

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/