الأربعاء، 23 فبراير، 2011

الأربعاء الثامن - إيوان كسرى




كنت صغيرا، ومتعتي عند ركوبي لدراجتي الهوائية لا تدانيها أي متعة أخرى ... هذا أنا مذ كنت طفلا، أعشق الفضاء الرحب، وأكره الأماكن المغلقة.
وذات صباح عطلة صيفية، نزلت إلى الحديقة لأمتطي دراجتي وأنطلق في الشوارع والحارات، لكن الدراجة التي ركنتها ليلة الأمس في الفناء الخلفي للحديقة أختفت ... سرقت !
حزنت كثيرا، وحتى الجاهل الأمي الذي لا يعرف قراءة الوجوه، قرأ الحسرة في عيوني، ولكني لم أمت كمدا، وها أنذا حي أرزق ... وأكتب لكم.

وفي الشركة التي عملت بها في أول العقد الثاني من عمري، كانت هناك حافلة تقلني والموظفين من بيوتنا إلى الشركة وبالعكس، وكان مقعدي الأثير في الكرسي الكبير الخلفي المحاذي للنافذة، ولكننني صعدت إلى الحافلة ذات يوم لأتفاجأ بموظف جديد يشغل مقعدي، ولكني لم أقاتله بالسيف، وجلست في مقعد آخر صغير، ومع مرور الأيام تأقلمت معه حتى غدى محببا، لكن الأمور تبدلت عندما وظفت الشركة مجموعة من الفتيات، فاضطررت ومجموعة لا بأس بها من الشباب للوقوف ذهابا وإيابا، وكل شيء على ما يرام، فها أنذا حي أرزق ... وأكتب لكم.
وفي منتصف العقد الثاني من عمري، افتتحت مشغلا صغيرا، وعلى كرسي مكتبي كانت نشوتي، ولكن ...
" ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"
فقد تعثرت وجانبني التوفيق، وتراكمت علي الديون كما يتراكم الثلج فوق الدروب في ليالي العواصف القطبية، وبعت مشغلي بأبخس ثمن كي أتمكن من سداد بعض من ديوني، ولكني لم ألق حتى نظرة وداع إلى كرسي مكتبي، وضعت سترتي على كتفي، ورحلت إلى الأبد، وها أنذا حي أرزق ... وأكتب لكم.

طال جلوسي بلا عمل، وصرت عقيدا في جيوش البطالة، ورغم تجردي من كل المناصب، بيد أنني لا زلت أحب الكرسي، لذلك قمت باستغلال عرض "كارفور" واشتريت كرسيا بلاستيكيا ماركة "سامبا" بـ ( دينارين وخمس وسبعين قرش) ووضعته في حديقة المنزل، وهكذا صرت أنفث سيجارة الصباح وكوب "النسكافيه" وأنا جالس على كرسي العزيز تحت الشمس الدافئة، ولكن المار من أمام منزلي هذه الأيام سيراني أنفث سيجارتي وأشرب "النسكافيه" وقوفا، فقد سرق كرسي "السامبا" أيضا، ولم أمت غيظا وقهرا، وها أنذا حي أرزق ... وأكتب لكم.

وللحقيقة ... فأنا لم أحدثكم عن كرسي المفضل، لأنني أخجل من هذا، بيد أنني قررت اليوم أن أتجاسر على كل التابوهات، لذلك : يسرني أن أعلمكم أن كرسي المفضل هو ذلك الكرسي الذي وضعت صورته فوق أول الإدراج، وأني أسمي هذا الكرسي "إيوان كسرى"، فأنا لا أرتاح إلا على ذلك "الإيوان" ولا تأتيني الأفكار الصافية إلا وأنا أعتليه، وصدقا عندما يأتي يوم الثلاثاء وأعجز عن إيجاد موضوع لأكتبه في مدونتي "نكشة الأربعاء"، تجدني ألوذ إلى الحمام وأعتلي ذلك "الإيوان"، فتبدأ الأفكار بالتدفق الغزير، وأترجل من على "الإيوان" بموضوع كامل مترابط، وأجمل ما في هذا الكرسي أنه غير قابل للسرقة،
وقبل شهر، زارني ضيف ثقيل الوزن، وبعد أن تناولنا العشاء الدسم، دارت معدته، فاستأذنني الدخول إلى الحمام، وما أن صعد إلى "الإيوان" حتى انشطر "إيواني" إلى نصفين، ولكني لم أقتل ضيفي رغم الجريمة التي اقترفتها مؤخرته، فقد كسر عرشي و"إيواني" وحطم فؤادي، بل على العكس، قلت له : (فداك).

وفي ليلة الحادثة، لم يعرف النوم إلى عيني سبيلا، وأنا أفكر بالمصيبة التي قضت مضجعي، ولكني ساعة الفجر تذكرت (صندوق العجائب)، فأنا كلما فقدت شيئا نفيسا ألوذ إلى ذلك الصندوق، وذلك الصندوق هو (الجورة) أو (سوق الحرامية) في سقف السيل، حيث تجد ما لا يخطر على البال، وهكذا توجهت في الصباح إلى (سوق الحرامية)، وسرعان ما وجدت طلبي، "أيوان" فخم من السيراميك الإيطالي، ما دعا البائع لطلب ( 50 ) دينارا ثمنا له، ولأني (ابن سوق) تمكنت من الحصول عليه بـ(25) دينارا فقط، ولأنك تشتري القطعة من (سوق الحرامية) دونما ورقة كفالة، وذلك لأن البائع قد يسجن أو يختفي في ظروف غامضة بعد إتمام الصفقة، قمت باختبار "الإيوان" عندما استدعيت رجلين سمينين وأجلستهما عليه للتأكد من قوة مقاومته وتحمله، وبعد اجتياز الإختبار وضعت "إيواني" في (بكب) وعدت إلى البيت سعيدا مبتهجا.
وللأمانة ... فحتى لو لم أجد "إيوان" جديدا لتدبرت أمري، فللراحة طرق أخرى !!

أنا إنسان طيب ومسالم، وكلمة تأخذني وكلمة تأتي بي، وكل مسلم وعربي مثلي، كلنا خلقنا بقلوب مسكينة وطيبة سريعة الرجف والخفقان، ولو جاءني اليوم كل الذين سرقوا كراسي، والله لسامحتهم جميعا، ولكني أتعجب من حكام من بني جلدتنا يمطرون شعوبهم بالرصاص الحي وقذائف الطائرات والبوارج الحربية من أجل كرسي حقير لن ينزل معه إلى قبره !!
لماذا لم يبلغوني ؟ لكنت أرسلتهم إلى (سوق الحرامية) وليشتروا هناك ما شاؤوا من الكراسي والعروش !!

لقد علمتني الحياة أن الكراسي التي لا تزول، هي تلك التي ننصبها بحسن خلقنا ومعشرنا وطيبتنا في قلوب الناس، وعلى سبيل المثال، أنا شخصيا لا أطلب الكثير:


فالجلوس عندي في قلب إمرأة ... خير من الجلوس على عرش الكون.
ومهما قاتل الطاغية، ومهما استعمل من أدوات قمع شيطانية، فأنه زائل لا محالة ... فلا مكان له في قلوب شعبه
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الأربعاء، 16 فبراير، 2011

الأربعاء السابع - كل عام وأنا أنت وأنت أنا





في الصالة الواسعة للمطعم الفخم، صارت الموائد المتناثرة هنا وهناك مثل بحيرات مستديرة تشكلت فوق بساط من الرخام الأبيض الناصع، وفي مركز كل مائدة تنتصب جورية حمراء تتوسط مدى النظر بين عاشقين، وصار صوت السكاكين والأشواك لحنا معدنيا رقيقا مرافقا لصوت المطرب الإسباني " خوليو اجليسياس".

الرجال هنا غارقون في بحرين، بحر الطعام اللذيذ، وبحر جمال حبيباتهم، فتجد الرجل يلتقم مضغة من الطعام، ثم يمعن النظر بوجه حبيبته، كذلك النساء أيضا، غارقات في بحرين، الأول بحر الطعام الشهي، لكن الثاني بحر رومانسية صوت المطرب الإسباني! فتجد المرأة تلتقم مضغة من الطعام، ثم تصيخ السمع لصوت " خوليو" المنساب من سقف المطعم بعذوبة فائقة !!

وبعد التحلية، نفثنا دخان سجائرنا سحبا بيضاء في سماء المطعم التي تتدلى منها الثريات ذات الألوان الصفراء المتلألئة، وقلنا كلاما كثيرا في الحب وتحدثنا عن ماضي جميل ومستقبل لا نخشاه ما دمنا سوية، نقدت النادل بثلاث ورقات من فئة المئة دولار وغادرنا ...
وعندما ترجلت حبيبتي من سيارتي السوداء الفارهة، تركت على مقعدها الذي لا زال فاترا منديلا أحمر معشقا برائحة عطرها، وعلى عتبة باب بيتها لوحت بإحدى يديها البيضاء مودعة، وظلت يدها الثانية قابضة برفق وحب على باقة الورد الأحمر الذي أهديتها إياها.
تركت فضاء سيارتي المغلقة النوافذ مساحة لألحان الموسيقار اليوناني "ياني" ورحت أستنشق أثر عطرها العالق على منديلها الأحمر، وما أن وصلت البيت حتى غرقت في نوم عميق هنيء.
في صباح اليوم التالي، والذي يصادف اليوم الرابع عشر من فبراير، استيقظت باكرا، لكني لم أبارح فراشي إلا عندما استذكرت أحداث الليلة السابقة بأدق تفاصيلها، تلك التفاصيل التي ابتدأت عندما قالت وقد اكتست وجناتها بالحمرة " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا" بعد أن أهديتها باقة الورود الحمراء فور صعودها سيارتي، إلى اللحظة التي لوحت لي بيدها البيضاء عند عتبة باب بيتها.

شربت قهوة الصباح وأنا أفكر في كيفية تدبر أحوالي في الأيام المقبلة، فاليوم يكون منتصف الشهر تقريبا وراتبي يصبح شبه نافذ بعد اليوم العاشر من كل شهر، ولكن صوت "خوليو" قطع حبل أفكاري " معلم ... افتح ... ابو الندر "، أعرف ما السبب الذي جاء بـ"خوليو" في هذه الساعة المبكرة، فحال "خليل" الذي ندلعه بـ"خوليو" أصعب من حالي، فراتب "خليل" ينفذ بعد اليوم الخامس من الشهر، وكلانا اليوم في إجازة، وسبب مجيئه هو طمعه في الحصول على وجبة غداء مجانية على حسابي، فتحت له الباب قبل أن يوقظ صراخه مدينة عمان بأكملها، جلس "خوليو" على الأريكة المقابلة ثم بدأ يعبث بجهاز التحكم ويقفز من محطة غنائية إلى أخرى، وما أن مرت خمس دقائق حتى شرع بالحديث عن طعام الغداء !! وفي النهاية توصلنا إلى أكلة خفيفة الدسم والسعر معا، ( قلاية بندورة ) دونما لحم، وهكذا ذهبت إلى بائع الخضار واشتريت ( بندورة- بصل – فلفل أخضر)، وعندما فتح "خوليو" الباب، تناول من يدي كيس (البندورة) وقال " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا)"، ثم أتبع ذلك بضحكة معدنية رهيبة اتسع على إثرها فمه حتى صار بحجم باب، فشعرت بأنني أمام بابين، باب بيتي وباب فم "خليل"، ثم استطرد قائلا ممازحا " اليوم يوم الفالنتين"، وللحقيقة فأن كلمة خليل كان لها مؤشر سلبي جدا علي، ولكني كظمت غيظي ودخلت خلف "خليل"، أصر "خوليو" على أن يعد (القلاية) بنفسه معللا بأن (نفسو) طيب جدا في الطعام، فتركت له ذلك، ثم بدأت الحفلة، كان "خليل" يغني بأعلى صوته أثناء هرسه للطماطم، وحاولت أن أبعد صوته برفع مستوى صوت التلفاز، ولكن عبثا كنت أفعل فصوت "خليل" طغى على المدينة وليس على البيت فقط، ثم بدأ أسوأ ما في الأمر عندما شرع "خليل" بتقطيع البصل إلى حلقات، وراحت الدموع تنهمر من عيني شلالات، حاولت أن ألفت نظر "خليل" بأن كمية البصل التي وضعها كبيرة جدا، ولكنه رد علي قائلا ( شو بفهمك إنتة بالمقادير وأصول القلاية) !!، ولتكتمل حلقة الحظ العاثر لم أجد منديلا واحدا في البيت حتى أمسح فيه دموعي المنهمرة التي تسبب بها بصل "خليل"، والمنديل الوحيد المتاح كان في جيب "خليل"، فأعطاني إياه بعد أن تعشق برائحة البصل العالقة بيديه، ولكني اضطررت مرغما على أن أمسح دموعي بذلك المنديل (البصلي) فازداد الأمر سوء،

وأخيرا ...

انتهى "خليل"، وجلسنا على كرسيين متقابلين يتوسطنا طبق (القلاية) الخليلية الصنع، ولكنني ما أن وضعت اللقمة الأولى في فمي، حتى استوقفني "خليل" قائلا " مهلا لا تأكل قبل أن أضع شريطا في المسجل، حتى نضفي على المشهد جوا من المرح والبهجة"، ثم أخرج من جيب معطفه شريطا ووضعه في المسجل، ثم بدأنا نأكل على أنغام وكلمات المطرب "سعد الصغير"، وللحقيقة فلم أشعر بطعم (قلاية)، إنما مزيج من البصل والفلفل الحار، وكنت كلما وضعت مضغة من الطعام في فمي، أمعن النظر في فم "خليل" الذي كان يتسع مثل مطاطة كلما وضع (كماسة) عملاقة من الطعام في فمه، كان يأكل شرها مستمتعا وقدمه تهتز على وقع أغنية (بحبك يا حمار) !!
وبدون تحلية، أخذ "خوليو" قيلولة على الأريكة، ثم غادر ملوحا بيده العملاقة قائلا " شكرا على الأوقات الجميلة".
في الساعات الأولى من هذا الصباح، عشت على أمل تحقيق حلم المطعم والحبيبة والسيارة السوداء الفارهة الذي رأيته في الليلة الماضية، وللحقيقة، فأن الأقدار كانت كريمة معي، فقد تحقق حلمي مع قليل من الاختلافات البسيطة في التفاصيل، فقد عرفت أن الحلم يتحقق عندما قال لي "خليل" الجملة ذاتها التي قالتها محبوبتي في الحلم " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا" مع اختلاق بسيط في طريقة الإلقاء!! أما باقة الورود التي أهديتها حبيبتي في الحلم فقد كانت كيس (بندورة) في الواقع، و صوت "خوليو" كان صوت "سعد الصغير" في عالم الواقع!! والبحران اللذان غرقت فيهم في الحلم، بحر الطعام الشهي وبحر جمال حبيبتي، صارا بحرين، الأول من البصل والفلفل الحار والثاني متعة النظر إلى فم "خليل" كان يتسع بطريقة عجيبة أثناء تناوله الطعام والذي يشبه فك الضباع!! واليد البيضاء التي لوحت مودعة في المنام، حلت مكانها يد "خليل" العملاقة التي تضاهي في حجمها ( مغرفة جرافة)!! ومنديلها الأحمر الذي استنشقت منه عطرها صار ذلك المنديل (البصلي) الذي أعطاني إياه "خليل" كي أمسح الدموع عن وجهي،
ولكن شيئا واحدا لم يتحقق بعد، موسيقى " ياني"، لذلك قمت بتشغيل أغنية
( ردي الزيارة يا حلو الأطباع ...ردي الزيارة ... ما عدت أقوى فراقك أكثر من اسبوع) للمطرب الكويتي صاحب الصوت الحزين "عبد الكريم عبد القادر" ...
ولكني لست أدري من هذه التي أطلب منها أن ترد الزيارة ... أكيد أنها روحي المرحة التي كانت تسكنني ذات يوم ...

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الخميس، 10 فبراير، 2011

الأربعاء السادس - إلى إمرأة في داخل الميدان








في داخل الميدان الذي صار قبلة العيون باختلاف أشكالها وألوانها، تقف فتاة لها هيئة الملكات، قمحية اللون، فاتنة العينين، فهما واسعتان داكنتان، مسحوبتا الطرفين إلى أعلى، وقد ورثت فتنتيهما عن جدتها الملكة "كيلوبترا".

وللحقيقة ... فأنا لم ألحظ حلاوة ملامحها قبل أن تحرك روحها الثورية تلك الملامح التي كانت راكدة حتى الخامس والعشرين من يناير للعام 2011، وأحمد الله أن وجهها المهيب مؤطر بمنديل أبيض يلم ضفائرها، فلو نثرت تلك الضفائر السوداء في الهواء، لتعلق بهم ألف شاعر وألف ألف فارس، فالمرأة الأسطورية الحلم التي لطالما تغنى بها الملوك والشعراء وأفنوا أعمارهم في البحث عنها حتى يئسوا وظنوا أنها خيط دخان، صارت اليوم حقيقة قابعة في ميدان التحرير !

ضلع ينتصب بمنتهى الإستقامة ليرد عن نساء الشرق تهمة لاحقتهم طويلا بأنهن ضلعا أعوج، فارغة اليدين بلا أي أجندة خارجية، فارغة القلب من أي دوافع إنتقامية شخصية، فليس لها أبا أو أما أو زوجا قضى تعذيبا في أقبية الأمن المركزي المرعبة، إنما جاءت لتوقف كيد الظالمين عن ضحايا محتملين لاحقين، وأقسمت أن لا تبارح الميدان حتى يتوقف التعذيب، ويتوقف تسرب الغاز المصري إلى أراضي العدو، ويزرع القمح بسواعد مصرية حرة، بعد أن صارت تلك السواعد مجرد أداة لفتح أكياس القمح المستورد من أمريكا !

وفي كل مرة تتحدث فيها من خلال قناة ظننا أنها "جزيرة" ليتضح فيما بعد أنها محيط نحن فيه جزر صغيرة، يلهب صوتها الثوري الألاف من الشباب والصبايا والأطفال والكهول، فيزداد الميدان حشدا فوق حشد.
فـ الشاب (الجدع) "شحاتة ابو سته" ابن الحي الفقير الذي صدق في يوم من الأيام أن (بختو مايل) رغم صنائعه السبع التي لم يجني منها إلا سبع دفاتر ديون غليظة موزعة بالتساوي بين البقال والخباز والجزار، سمع صوتها الثائر فأيقن أن الخطاء ليس فيه، إنما بالفاسدين الذين كادوا أن يهلكوه، فالتحق بالجموع المرابطة في الميدان، والعم "فرغلي" الذي كان يعمل نهارا كاملا ليؤمن أجرة غرفته البائسة فوق (السطوح) وسيجارة (البانجو) التي تنسيه شقاء ذلك النهار !، علم يوم سمع صوتها الناري أن الفاسدين سرقوا وجبة عشائه، وأن النهار يتسع لوجبات ثلاث كاملة الدسم تأتي بعمل خفيف لا يضطره لسيجارة (بانغو) تنسيه الآم ظهره الذي خلفها نهار عمل شاق !!

مرابطة في الميدان، لن تبارحه حتى تطيح بالفاسد الأكبر، فرغم هزيمتها وزملائها الثوار لعصابات الأمن و(البلطجية) إلا أن ذلك لا يمثل لها ولهم إلا كسرا في المخلب، فهي تعلم جيدا أن المخالب يجب أن تجتث من جذورها كي لا تعاود النمو.

سيدتي ... مولاتي
وددت لو أقبل تلك الحنجرة التي تؤجج نيران الثورة كلما خقتت، وددت أن أقبل قدميك يا أيقونة الثورة، ودت أن أفعل هذا وأنا الذي لا كبير لي، فقد حطمت بفأس سخريتي كل الأساطير، فجاري الحاج التقي الذي أدعى أنه خاض سبع حروب في الدفاع عن العروبة والإسلام، تم ضبطه بوضع مشبوه مع "سريلانكية"، وقد ألقيت بجدي من النافذة بعد أن ثقب قرعة رأسي بأن جيلهم جيل الأخلاق، مع أنه كان يصبغ شعره، وكلما غفلت عيناي عنه، صار يتلفت يمنة ويسرة باحثا عن فتاة يشبع بمفاتنها نهم عينيه !!

مصرة على مطالبها، فهي من الذكاء لتكون متيقنة من انها لو غادرت الميدان دون أن تظفر بكل ماتريد، فأنها ستذبح من الوريد إلى الوريد، ولكنها ليست "ليلى" البلهاء رغم أن النظام كان ولم يزل هو "الذئب"، وكيف تؤمن لهم ستة شهور يصوغون فيها ألف "سيناريو" ورواية، فقد صاغوا في خمسة أيام "سيناريوهات" عديدة محكمة الدهاء والشيطنة، مما جعلني أحرق مكتبتي التي تضم مجموعة من الروائيين العتاة، فلقد آمننت أن خيالهم فقير ناضب امام خيال الأنظمة الديكتاتورية، ففي اليوم الأول حلوا الوزارة ووعدوا بأنهم سيأتوا بوزارة تلبي طموحات الشباب الذين فجروا الثورة، ولكن الوزراء تم جلبهم من المتحف، فالمراهق فيهم من مواليد 1918 !!
وفي اليوم الثاني، جاء "سيناريو" الإنفلات الأمني عندما فتحوا أبواب السجون للصوص والـ(البلطجية) ليعيثوا في البيوت نهبا وخرابا، وفي اليوم الثالث جاء "سيناريو" الميليشيات الخارجية التي تريد تدمير البلاد، ميليشيات ( إسرائيلية _ إيرانية _ فلسطينية) فأي خلطة عجيبة هذه !!
وفي اليوم الرابع اطلقوا العنان لجمالهم وخيولهم وبغالهم لتبعثر الصفوف، في مشهد يعود إلى ما قبل القرون الوسطى، مشهد أطلق عليه ( غزوة الجمل 2011) !!
كل هذا حصل في خمسة أيام، فما الذي سيحدث في ستة أشهر !!

النصر لمصر ... اقترب لا محالة

لم ولن تمشي، فهي لا زالت تردد بلكنتها المصرية المحببة إلى قلب كل عربي ( مش هنمشي ... هو يمشي) فهي تعلم أنه لو مشت، فستنزل عن عرشها المنصوب في قلب الميدان لتلتحق بطوابير العيش، لن تمشي فهي لا تقامر، إنما تقف على مفترق طرق، الأول يؤدي إلى حرية خالصة، والثاني إلى جنة أبدية، فيالحظ مدينة القاهرة التي فوق ترابها قدماكي،

وما دمنا في سيرة المدن، أحيطك عملا سيدتي بأن مدينة "باريس" بعثت إلي ليلة الأمس تشتكي جمال وجهك،


فـ"باريس" لها قوس نصر واحد ... أما أنت فقد صار حاجباكي قوسا نصر ...
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الأربعاء، 2 فبراير، 2011

الأربعاء الخامس - فوبيا الخضار





رأسي يوشك أن يحترق، فالأحداث الساخنة لم تنفك ترسل لهيبها إلى ذلك الرأس المتعب، وما بين ساعة وأخرى يطفح ويلقي كل ما فيه، كي يتسنى له أن يستقبل حزمة جديدة من الأفكار والتساؤلات، حتى أنني أكاد لا أتذكر فكرة واحدة كانت تلوح قبل ساعة !

ولكن سؤالا ملحا يأبى إلا أن يعود مع كل حزمة جديدة من الأفكار والتساؤلات المتدفقة كما السيل الجامح " ماذا يقول الطاغية في ساعاته الأخيرة؟" فللشخصيات المحورية عبارات تعلق على صفحات التاريخ عند كل منعطف حاسم في حياتهم، حاولت أن استذكر بعض ما قاله مجموعة من هؤلاء المحورين " الأسكندر المقدوني، خسرو، نابليون، هتلر، تشرتشل، نيرون" والكثيرون غيرهم، علني أصل إلى رابط يقودني إلى جواب هذا السؤال الملح، ولكن عبثا كنت أفعل.

وفي محاولة مني لإبعاد هذا الضجيج عن رأسي، قمت بمغادرة ميدان التحرير ... أقصد قمت بالانتقال من محطة "الجزيرة" إلى محطة أفلام لأوقف ذلك التتابع المرعب للأخبار والصور والتحليلات، وكان الفيلم المعروض "طرزان"، مشهد، اثنان ... وتأتي الإجابة عن السؤال الذي قض مضجع أفكاري، نعم ... أتت الإجابة على أبسط الأسباب، ولطالما رددت مقولة صغت مفرداتها من عصارة تجاربي في الحياة وهي "أن حل أعقد المسائل يكون في أبسط الأشياء"، فكل هؤلاء المحاور الذين استحضرتهم عجزوا عن تقديم إجابة شافية للسؤال المؤرق و "طرزان" بمشهدين يقدم الإجابة بكل بساطة، فقد تذكرت مقولة "طرزان" الشهيرة التي قالها لحظة احتضاره ( مين ابن الحمار اللي قطع الحبل) فجميعنا يعلم أن "طرزان" مات عندما سقط من مسافة مرتفعة نتيجة انقطاع أحد الحبال التي كان يتنقل بها من شجرة إلى شجرة، وبناء على ذلك فأن الإجابة على سؤال " ماذا يقول الطاغية في لحظاته الأخيرة؟" أي في اللحظات التي يركب فيها الطائرة للفرار من بلاد ظن أنها ملك له ذات يوم، تكون ( مين بنت الحمار اللي قلبت البسطة)، فجميعنا يعلم أن الشرارة التي أشعلت نيران الشارع العربي هي (بسطة خضار) "البوعزيزي"، تلك البسطة التي صادرتها شرطية ولم تكتفي بذلك بل صفعت "البوعزيزي" على وجهه، الأمر الذي أدى إلى احتجاج "البوعزيزي" باحراق نفسه، لتحترق بعدها مدينة "سيدي بوزيد" وتتبعها شوارع تونس كلها ولتمتد تلك النار إلى الشوارع المصرية التي لا زالت مشتعلة حتى كتابة هذا الإدراج، وأكاد أجزم بأن الرئيس التونسي "زين الهاربين بن علي" لو كان على علم أن شابا سيأتي ليخلعه عن عرشه ببسطة خضاره، لأمر على غرار "فرعون" بقتل كل مواليد ذلك اليوم الذي ولد فيه "البوعزيزي"، وأمر بمنع تداول الخضار، ولكن حتى لو علم، ستقول الأقدار كلمتها، كما قالتها لــ"فرعون" عندما نجا "موسى" الذي ألقته أمه في اليم خوفا عليه من "فرعون" وجنوده، ليكون "موسى" سبب زوال "فرعون" لاحقا.

أنا متأسف على حال "زين الهاربين بن علي" فمهما تسأل عن ( بنت الحمار اللي قلبت البسطة) لن يجدها، فهي الآن خلعت ملابسها العسكرية، واختفت بين جموع المدنيين، أما هو فقد صار أشهر من نار على علم، مطلوب في كل مطارات العالم وموانيئه ومحطات قطاراته، وملامح المطلوب الثاني بدأت تتكشف، فيا لهذه (البسطة) العظيمة التي فعلت ما عجزت عنه صور ألآلاف من الشهداء الفلسطينين، ويا لهذه (البسطة) التي أنقذت الجزء القليل الباقي من العرب الذين لم يغرقوا بعد تحت خط الفقر، يالهذه البسطة التي جعلت الصهاينة اليوم يتابعون ما يحدث في ميدان التحرير بقلق شديد أكثر من ذلك الذي انتابهم عندما كان أحد الزعماء يتوعدهم بأن يكونوا وليمة لأسماك البحر، عن طريق مذيعه الشهير "أحمد سعيد" الذي كان يردد على طول النهار وليله ( جوع يا سمك جوع)، وحتى كتابة هذا الإدراج والأسماك لا تزال جائعة !!

سأعتذر من "جيفارا" وسأستبدل صورته المطبوعة على أحد قمصاني بصورة (بوكسة بندورة)، فستصبح الخضار رمزا للحرية والإنعتاق، وسنستبدل النجوم االمرصعة على أعلامنا العربية بتشكيلة من الخضار ( خيار – بطاطا – باتنجان)، وسنستبدل الرتب العسكرية التي تعتلي أكتاف العسكر من مثل " نسر – نجمة" برموز جديدة، فيصبح العقيد مثلا ( خيارتين وضمة كزبرة) وهكذا دواليك، وسيظهر مرض جديد يصاب به صاحب كل نزعة ديكتاتورية، مرض (فوبيا الخضار) ويكون العلاج سلوكي وليس بالعقاقير، حيث يتم اقناع المصاب بالتخلي عن نزعاته التسلطية للشفاء التام، وعلى غرار تمثال الحرية الذي ينتصب بشموخ فوق مدينة "نيويورك" الأمريكية، سنصنع تمثالا كبيرا على باب الوطن العربي، تمثال يكون (راس بصل) كبير يضيء ليلا، وأول ما سيسئل عنه الخاطب عندما يتقدم لخطبة فتاة، ما إذا كان نباتيا أم حيوانيا، فإذا كان نباتيا فهو (ابن حلال)، وستتحرر النساء الشرقيات بعد تظاهرات عديدة لنيل حقوقهن، وسيرفعن في مظاهراتهن ضد الظلم الذكوري ( بوكسات فلفل وخيار وبندورة)، وستمدد الظاهرة لتصبح عالمية، فإذا ما حلم ديكتاتور ما في مجاهل أفريقيا أنه يقرش خس مثلا، سيتنحى في اليوم التالي مباشرة ليحفظ ماء وجهه، يا للخضار العظيمة.

ألم أقل لكم أن حل أعقد المسائل يكون في أبسط الأشياء، ولو سئلت الآن عن كيفية وضع خمسة أفيال في سيارة (فوكس)، لن أحسب قوة مقاومة السيارة ومساحتها، سأترك الفيزياء جانبا، وأجيب بكل بساطة
( تلاتة ورا واتنين قدام )

ليست بالخضار ولا غيرها، إنها إرادة الله لأن السيل قد بلغ الزبى ...
فألف رحمة على روح "البوعزيزي" وعلى شهداء تونس وعلى شهداء مصر
وانصر الأحياء منهم يا الله ...

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/