الأربعاء، 16 فبراير، 2011

الأربعاء السابع - كل عام وأنا أنت وأنت أنا





في الصالة الواسعة للمطعم الفخم، صارت الموائد المتناثرة هنا وهناك مثل بحيرات مستديرة تشكلت فوق بساط من الرخام الأبيض الناصع، وفي مركز كل مائدة تنتصب جورية حمراء تتوسط مدى النظر بين عاشقين، وصار صوت السكاكين والأشواك لحنا معدنيا رقيقا مرافقا لصوت المطرب الإسباني " خوليو اجليسياس".

الرجال هنا غارقون في بحرين، بحر الطعام اللذيذ، وبحر جمال حبيباتهم، فتجد الرجل يلتقم مضغة من الطعام، ثم يمعن النظر بوجه حبيبته، كذلك النساء أيضا، غارقات في بحرين، الأول بحر الطعام الشهي، لكن الثاني بحر رومانسية صوت المطرب الإسباني! فتجد المرأة تلتقم مضغة من الطعام، ثم تصيخ السمع لصوت " خوليو" المنساب من سقف المطعم بعذوبة فائقة !!

وبعد التحلية، نفثنا دخان سجائرنا سحبا بيضاء في سماء المطعم التي تتدلى منها الثريات ذات الألوان الصفراء المتلألئة، وقلنا كلاما كثيرا في الحب وتحدثنا عن ماضي جميل ومستقبل لا نخشاه ما دمنا سوية، نقدت النادل بثلاث ورقات من فئة المئة دولار وغادرنا ...
وعندما ترجلت حبيبتي من سيارتي السوداء الفارهة، تركت على مقعدها الذي لا زال فاترا منديلا أحمر معشقا برائحة عطرها، وعلى عتبة باب بيتها لوحت بإحدى يديها البيضاء مودعة، وظلت يدها الثانية قابضة برفق وحب على باقة الورد الأحمر الذي أهديتها إياها.
تركت فضاء سيارتي المغلقة النوافذ مساحة لألحان الموسيقار اليوناني "ياني" ورحت أستنشق أثر عطرها العالق على منديلها الأحمر، وما أن وصلت البيت حتى غرقت في نوم عميق هنيء.
في صباح اليوم التالي، والذي يصادف اليوم الرابع عشر من فبراير، استيقظت باكرا، لكني لم أبارح فراشي إلا عندما استذكرت أحداث الليلة السابقة بأدق تفاصيلها، تلك التفاصيل التي ابتدأت عندما قالت وقد اكتست وجناتها بالحمرة " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا" بعد أن أهديتها باقة الورود الحمراء فور صعودها سيارتي، إلى اللحظة التي لوحت لي بيدها البيضاء عند عتبة باب بيتها.

شربت قهوة الصباح وأنا أفكر في كيفية تدبر أحوالي في الأيام المقبلة، فاليوم يكون منتصف الشهر تقريبا وراتبي يصبح شبه نافذ بعد اليوم العاشر من كل شهر، ولكن صوت "خوليو" قطع حبل أفكاري " معلم ... افتح ... ابو الندر "، أعرف ما السبب الذي جاء بـ"خوليو" في هذه الساعة المبكرة، فحال "خليل" الذي ندلعه بـ"خوليو" أصعب من حالي، فراتب "خليل" ينفذ بعد اليوم الخامس من الشهر، وكلانا اليوم في إجازة، وسبب مجيئه هو طمعه في الحصول على وجبة غداء مجانية على حسابي، فتحت له الباب قبل أن يوقظ صراخه مدينة عمان بأكملها، جلس "خوليو" على الأريكة المقابلة ثم بدأ يعبث بجهاز التحكم ويقفز من محطة غنائية إلى أخرى، وما أن مرت خمس دقائق حتى شرع بالحديث عن طعام الغداء !! وفي النهاية توصلنا إلى أكلة خفيفة الدسم والسعر معا، ( قلاية بندورة ) دونما لحم، وهكذا ذهبت إلى بائع الخضار واشتريت ( بندورة- بصل – فلفل أخضر)، وعندما فتح "خوليو" الباب، تناول من يدي كيس (البندورة) وقال " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا)"، ثم أتبع ذلك بضحكة معدنية رهيبة اتسع على إثرها فمه حتى صار بحجم باب، فشعرت بأنني أمام بابين، باب بيتي وباب فم "خليل"، ثم استطرد قائلا ممازحا " اليوم يوم الفالنتين"، وللحقيقة فأن كلمة خليل كان لها مؤشر سلبي جدا علي، ولكني كظمت غيظي ودخلت خلف "خليل"، أصر "خوليو" على أن يعد (القلاية) بنفسه معللا بأن (نفسو) طيب جدا في الطعام، فتركت له ذلك، ثم بدأت الحفلة، كان "خليل" يغني بأعلى صوته أثناء هرسه للطماطم، وحاولت أن أبعد صوته برفع مستوى صوت التلفاز، ولكن عبثا كنت أفعل فصوت "خليل" طغى على المدينة وليس على البيت فقط، ثم بدأ أسوأ ما في الأمر عندما شرع "خليل" بتقطيع البصل إلى حلقات، وراحت الدموع تنهمر من عيني شلالات، حاولت أن ألفت نظر "خليل" بأن كمية البصل التي وضعها كبيرة جدا، ولكنه رد علي قائلا ( شو بفهمك إنتة بالمقادير وأصول القلاية) !!، ولتكتمل حلقة الحظ العاثر لم أجد منديلا واحدا في البيت حتى أمسح فيه دموعي المنهمرة التي تسبب بها بصل "خليل"، والمنديل الوحيد المتاح كان في جيب "خليل"، فأعطاني إياه بعد أن تعشق برائحة البصل العالقة بيديه، ولكني اضطررت مرغما على أن أمسح دموعي بذلك المنديل (البصلي) فازداد الأمر سوء،

وأخيرا ...

انتهى "خليل"، وجلسنا على كرسيين متقابلين يتوسطنا طبق (القلاية) الخليلية الصنع، ولكنني ما أن وضعت اللقمة الأولى في فمي، حتى استوقفني "خليل" قائلا " مهلا لا تأكل قبل أن أضع شريطا في المسجل، حتى نضفي على المشهد جوا من المرح والبهجة"، ثم أخرج من جيب معطفه شريطا ووضعه في المسجل، ثم بدأنا نأكل على أنغام وكلمات المطرب "سعد الصغير"، وللحقيقة فلم أشعر بطعم (قلاية)، إنما مزيج من البصل والفلفل الحار، وكنت كلما وضعت مضغة من الطعام في فمي، أمعن النظر في فم "خليل" الذي كان يتسع مثل مطاطة كلما وضع (كماسة) عملاقة من الطعام في فمه، كان يأكل شرها مستمتعا وقدمه تهتز على وقع أغنية (بحبك يا حمار) !!
وبدون تحلية، أخذ "خوليو" قيلولة على الأريكة، ثم غادر ملوحا بيده العملاقة قائلا " شكرا على الأوقات الجميلة".
في الساعات الأولى من هذا الصباح، عشت على أمل تحقيق حلم المطعم والحبيبة والسيارة السوداء الفارهة الذي رأيته في الليلة الماضية، وللحقيقة، فأن الأقدار كانت كريمة معي، فقد تحقق حلمي مع قليل من الاختلافات البسيطة في التفاصيل، فقد عرفت أن الحلم يتحقق عندما قال لي "خليل" الجملة ذاتها التي قالتها محبوبتي في الحلم " كل عام وأنا أنت، وأنت أنا" مع اختلاق بسيط في طريقة الإلقاء!! أما باقة الورود التي أهديتها حبيبتي في الحلم فقد كانت كيس (بندورة) في الواقع، و صوت "خوليو" كان صوت "سعد الصغير" في عالم الواقع!! والبحران اللذان غرقت فيهم في الحلم، بحر الطعام الشهي وبحر جمال حبيبتي، صارا بحرين، الأول من البصل والفلفل الحار والثاني متعة النظر إلى فم "خليل" كان يتسع بطريقة عجيبة أثناء تناوله الطعام والذي يشبه فك الضباع!! واليد البيضاء التي لوحت مودعة في المنام، حلت مكانها يد "خليل" العملاقة التي تضاهي في حجمها ( مغرفة جرافة)!! ومنديلها الأحمر الذي استنشقت منه عطرها صار ذلك المنديل (البصلي) الذي أعطاني إياه "خليل" كي أمسح الدموع عن وجهي،
ولكن شيئا واحدا لم يتحقق بعد، موسيقى " ياني"، لذلك قمت بتشغيل أغنية
( ردي الزيارة يا حلو الأطباع ...ردي الزيارة ... ما عدت أقوى فراقك أكثر من اسبوع) للمطرب الكويتي صاحب الصوت الحزين "عبد الكريم عبد القادر" ...
ولكني لست أدري من هذه التي أطلب منها أن ترد الزيارة ... أكيد أنها روحي المرحة التي كانت تسكنني ذات يوم ...

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/