الأربعاء، 25 مايو، 2011

الأربعاء الحادي والعشرون - خميس الحياة





الليلة خميس، برجك يقول أن الكون بسمواته وكواكبه ونجومه وأقماره متواطىء معك بشكل صارخ، قفي في الشرفة ريثما أصلك، إنتصبي كملكة تطل على شعبها، تنشقي هواء ملء رئتيك؛ فكل الهواء اليوم لك عبير، لا تقفي أمام الخزانة طويلا حتى تتخيري الحذاء الأنسب، تعالي حافية القدمين؛ فالتراب الآن من تحتك حرير، لا تتعطري، خلي فضاء سيارتي يعبق برائحتك الربانية، لا أريد الليلة أي حواجز صناعية بيننا، إذن ... هبت رياحك يا حبيبتي فاغتنميها، وأنا بدوري سأجاور السعيد حتى ينتابني السعد.


حبيبتي ... هاتفي المحمول يتملل في يدي، دعيني ألتقط صورة لك؛ فعندما دلفت السيارة فكأنما الشمس ركبت إلى جانبي، أفهم تحفظك على الصور؛ فأنت تخافين أن يأتي يوم يقف فيه أحفادنا أمام صورتنا ليضحكوا ويتندروا على أشكالنا القديمة : تسريحة الشعر، شكل ولون الملابس ..، تماما كما نفعل أنا وأنت عندما نقف أمام صورة جدي !!

اسندي رأسك إلى المقعد، لكم يروقني هذا "البروفايل" الجميل : الرقبة الطويلة، الأنف اليوناني الدقيق، بالله لا تلجمي طيش شعرك بيدك، دعي الريح تعيث به جنونا، فما أدراك عل الريح تصمت غدا، وأظنها اليوم مرسلة بمهمة محددة؛ أن تداعب شعرك حتى تصبحي في عيني ملكة بكامل المواصفات والمقاييس؛ فروح الكون تعرف مالذي يستفز رجولتي، الكون منحاز لك بوضوح، هكذا حدث برجك !


هاقد خرجنا من الشوارع المكتظة الضيقة كشرايين رجل مريض، وها نحن ذا في أول الشارع الواسع المؤدي إلى الجبل البعيد، الطريق طويل لكنه سريع، يدي غافية فوق مبدل السرعات، فلا حاجة لها للاستيقاظ ما دام الطريق خاليا والغيار خامسا، حواسي متيقظة، مساماتي مفتوحة، ضعي يدك فوق يدي الغافية فوق مبدل السرعات، دعيها حتى تشتعل فيرشح باطنها عرقا تشربه مساماتي المفتوحة على اتساعها، عل عدوى النعومة تنتقل إلى يدي التي جففها طول عمل بلا جدوى، لا تربطي حزام الأمان، قد يعيقك إذا ما أردت النوم على كتفي، قد تخيفك سرعتي التي تزيد اطرادا و نشوتي، لا عليك ... كوني على يقين بأننا سالمين من الآذى حتى لو انقلبنا ألف مرة في الهواء، سنخرج من تحت الأنقاض بعافية وليدين باسمين، فالبلاء عنك مرفوع اليوم، هكذا قال برجك، لا تتوقفي عن الهمس في أذني؛ فالطريق طويل، ولا تتعجبي إذا ما خلفت أنفاسك العذبة الندى فوق وجهي، فقد صار وجهي في حضرتك تحفة من "الكريستال" الفاخر !!


هاقد وصلنا إلى الجبل البعيد، لماذا وضعتي (الحجاب) ، المكان خالي من البشر، أما القمر والنجوم فهم من "المحارم" أنسيتي أنهم أخوانك في الحسن !!، فكي (الحجاب) وتحزمي به حتى ترقصي، سأترك باب السيارة مواربا حتى يتسرب منه صوت "كاظم" صادحا بأن " الليلة غير ... شعوري غير ... أشواقي غير ... حتى الأغاني غير"، أما أنا  فسأرقص بالسبحة كما الرجال، ولا تمتعضي إذا مارميت السبحة وصرت أتقافز جنونا، أعرف أنك تحبين رزانة الرجال، لكنك لا تعرفي ماذا تفعل إمرأة ترقص عارية القدمين بقلب الرجل؛ لأنك لم تكوني رجلا ليوم واحد، ولولا موعود الله بحور العين، لما فتحت بلاد في أقاصي الأرض سارت إليها الرجال تحت قيظ الظهيرة وفي جوف صقيع الليل !!


لم أكن إمرأة في يوم من الأيام، لكني أعرف الذي يرعش قلب الفتاة الشرقية؛ فهي تعيش العمر في انتظار ساعة يسكب فيها الحبيب حلو الكلام في روحها، ولك مني أن أهمس في أذنك أيابا حتى تذوبي كقطعة سكر في كوب شاي ملتهب، أما الآن فلنرقص ... فلنرقص، ولتكن تلك الرقصة بيان حياة ضد موت عشناه منذ الولادة !!


فلنرقص ... سأمتطي هذه الصخرة المقابلة وأصرخ على طريقة "العقيد" الطاعن في السن والخرف معا : " رقصة ... رقصة ... إلى الأمام ... إلى الأمام" !!


فلنرقص ... قبل أن تمتلىء المقل بالدمع،؛ فغدا هو الجمعة يا حبيبتي، والمراهق السوري الغافي في أحضان أمه الآن قد تسول له نفسه أن ينزل إلى الشارع غدا، ليتغرغر بكلمة "حرية"، فيدفع ثمن تلك الغرغرة نوما في قبضة "عزرائيل" !!


فلنرقص ... فغدا وبعد الصلاة تحديدا ، سيطل علينا زعيم اليمن المخبول بفعل "القات" السيد "صالح" ليمطر الرؤوس بكلام "مالح"، سيقسم أمام الجمهرة التي أغراها بالمجيء مقابل وجبة "كنتاكي" بالثوابت والمباديء أنه لن يستخدم العنف ضد ما يسميهم بــ"الإنقلابيين"؛ فتكون الحصيلة (موت عشرين إمرأة إنقلابية) بالرصاص الحي في "تعز" !!

فلنرقص ... قبل أن يكون الوقت جمعة، فـ"عقيد ليبيا الثائر صاحب الخيمة الأشهر في التاريخ، قد يخرج من جحره هو الآخر، حتى يقنع "النيتو" بالتخلي عن فكرة استهدافه، فنيراهم بعيدة عن الهدف مادام "العقيد" يسكن في قلوب شعبه المذبوح في "مصراته" على حد زعمه !!

أرقصي ... أرسمي لوحة باذخة الجمال، كوني وهجا أبيض يتراقص على خلفية سوداء مزينة بالقمر والنجوم، فاللوحة غدا حمراء قانية، أبطالها جثث بعمر الورود تتمدد على بلاط بارد، شباب لم تعرف النساء بعد، فبالله كيف يموت الذي لم (يخش دنيا) بعد !!

أرقصي ... فنحن الأمة الوحيدة التي تموت قبل أن تحيا، إجعلي الليل طويلا، لا أريد أن أنام؛ فأنا في كل ليلة أحلم بإمرأة تنتظر دخول ولدها من الباب، ثم ما ألبث أن أراها تنهار عندما يدخل عليها عبر شاشة "الجزيرة" نائما غارقا في الدماء !!

فلنرقص ... فلنتحرك قبل أن نتسمر غدا أمام الفضائيات لنعرف الحصيلة النهائية لعدد القتلى، أرقصي فجمعة الغد لم تسم بعد، فالأسماء استنفذت ما بين " جمعة خلاص" و "جمعة رحيل" و "جمعة صمود"، بيد أن حيلة المفردات قاصرة أمام لؤم الواقع الذي يعنون كل الجمعات بــ"جمعة الموت" !!

حبيبتي ... أرقصي حتى ينتصف الليل، أريدها ليلة عمر، فسامحيني على كذبي الأبيض، فأنا لم أقرأ برجك اليوم، بل أن علاقتي بالأبراج تشبه علاقة "الشيف رمزي" برياضة الجمباز ..،

لكنني أردته "خميس حياة" قبل أن تدخل "جمعة الموت" حيز التنفيذ !!

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/


الأربعاء، 18 مايو، 2011

الأسبوع عشرون - فتاة رغم المشيب





عندما تعظم الشمس وتميل للاحمرار، يتناثر الصبية في الشارع حتى ليحسبهم الناظر أحجار سبحة انفرط عقدها للتو، وعلى إحدى الشرفات المطلة على الشارع، تقف أرواد السمراء ذات القلب الأبيض، وعيناها البنيتان قطعتان من البرونز اللماع لانعكاس الشفق الأحمر عليهما، وكلما داعبت نسمة منعشة وجنات الصبية، امتدت أبصارهم إلى الشرفة التي تقف فيها أرواد، اعتقادا منهم أن مرد تلك النسمات يد أرواد التي تلوح لهم بين الفينة والأخرى، فتلك اليد الكريمة التي لم تفرغ يوما من السكاكر التي يحبونها، صارت في عقولهم البريئة قادرة على وهب كل ما هو جميل، حتى لو كان هذا الشيء هو تلك النسائم المنعشة التي تنساب ساعة الأصيل بعد نهار صيفي لاهب.

تفتح أرواد كيسا من السكاكر، تغترف منه ما تيسر، ترفع قبضتها في الهواء عاليا:


" يا أولاد "، فيترك الصبية الكرة التي كانت تتعارك عليها أقدامهم وحيدة، ويندفعون إلى الرصيف الواقع أسفل الشرفة، تنظر أرواد إلى الأسفل ... أياديهم الصغيرة المرفوعة في الهواء، رقابهم المشرئبة إلى أعلى، أفواههم المفتوحة على اتساعها من الصرخات، " أنا ... أنا ... أنا"، كل هذا يجعل المشهد في عيني أرواد كأفراخ جائعة تتقافز متلهفة لالتقاط ما في منقار العصفورة الأم.

تغيب عينا أرواد  لفرط ما ضحكت، ثم تسأل:


_ من منكم يشجع "مدريد"، فيرفع عدد لا بأس به من الصبية أيديهم " أنا ... أنا ... أنا"


_ من منكم يشجع "برشلونة"، مجموعة أخرى من الصبية ترفع أيديها عاليا، وتلاحظ أرواد أن بعض الأيدي ارتفعت عند السؤالين، فتضحك من قلب القلب على هذا المكر الطفولي، ثم ترخي قبضتها فتتساقط السكاكر على الأطفال، ويغرق المكان بالصخب والعفوية البريئة حتى يسدل الليل ستاره الأسود على ذلك المشهد الذي يتكرر في كل يوم.


هناك في الداخل، كانت عينا أم أرواد تناظر المشهد، ومقدار السعادة الذي تسكبه تلك الحالة في قلب أرواد، هو مقدار الحسرة نفسه الذي ينسكب في نصف قلب الأم الأيسر مع كل أصيل، فالطفلة التي كانت بالأمس تغفو بين ذراعيها، كبرت وكبر قلبها الذي كان بحجم قلب عصفورة حتى صار يتسع لأطفال الدنيا أجمعين، ولكن أم أرواد تعلم يقينا أن جوعة قلب المرأة لا يسدها إلا كائنا يسكن الأحشاء عاما إلا ثلاثة أشهر، وأن فرصة أرواد في الأمومة تتضاءل أصيلا بعد أصيل، كما يتضاءل نصف قلب أم أرواد الأيسر حسرة بعد حسرة، أما النصف الأيمن فقد ذاب شوقا منذ زمن إلى ابن وعدها بأن لا يطيل الغيبة أكثر من عامين، وها قد مر عقد من الأعوام ولم يعد.


وتمضي الأيام ...


وذات أصيل، بينما تعبر أرواد من أمام والدتها حاملة كيس السكاكر لتحجب عنها ضوء الشمس الذي يتسلل من النافذة الغربية للحظة، تستدعيها والدتها للجلوس إلى جانبها، وما أن تجلس أرواد حتى تضمها الأم إلى ذراعيها، ضمة كاد عظم أرواد أن يختلط بعضه ببعض لشدتها، ولقد كانت الضمة الأخيرة.


خمسة شهورة مرت على موت أم أرواد، وما أبطأ الوقت وما أثقله على قلب أرواد، وكأن عقرب الثواني يخز قلبها في كل نقلة، ولكن تلك الأحاديث التي كان يرددها أقارب أرواد من الرجال على مسامعها هي ما هونت عليها فجيعة الفقد، أحاديث عن ذلك النعش الذي كان يطير بخفة فوق أيديهم، وقبر ينتطر بلهفة أن يضم بين ضلوعه جثمان تلك المرأة الصالحة، وللحقيقة، ما كان هذا القبر إلا باب دهليز يصل الأرض بالجنة، ولكن النقطة السوداء الوحيدة التي كانت في تلك الجنازة هي أن من بين كل الأيادي التي تناوبت على حمل النعش، يدا واحدة غابت، هي يد أخوها الموجود في "المهجر".


وتتوالى الأيام، وفي إحدى الصباحات، تستيقظ أرواد على صوت رنين متواصل، ترفع سماعة الهاتف:


_ ألو ...
_ ألو ... أرواد كيف أنت؟
_ أهلا أسامة، أنا بخير، كيف أنت؟
_ أنا بخير والحمد لله، ولكن أين اللهفة التي كنت أسمعها دائما في صوتك؟
_ ألا زلت تسأل عن اللهفة يا أسامة، وعدت أمك بأن لا تطيل الغيبة أكثر من عامين، وفي كل مرة كانت ترجوك أن تعود، تقول لها عندما أحصل على الجنسية، وماتت أمك ولم تراك حتى في جنازتها، وتسأل عن اللهفة !!
_ حبيبتي أرواد، لو أنني أتيت، لما استطعت العودة مطلقا، فأنت تعرفين أن وضعي ليس قانونيا بعد، ولكن المحامي طمأنني أننا نسير في الاتجاه السليم، هانت يا أرواد ... هانت، والله أني مشتاق لك،
تخف نبرة العتاب التي كانت في صوت أرواد وتقول
_ وأنا أكثر يا أخي، يا ابن أمي وأبي
_ أرواد هناك صديق تعرفت عليه في المسجد، وسيأتي معي بأذن الله ليراكي،
تصمت أرواد هنيهة،
_ أنه شاب خلوق جدا يا أرواد، ومن رفاق المسجد
_ كما ترى يا أخي، كما ترى، ثم يتبادل الشقيقان الأحاديث المختلفة، ونبرة أرواد تزداد بهجة عبارة تلو والأخرى، فعلى الرغم من مؤهلها العلمي العالي، ومنصبها الرفيع في العمل، إلا أن كل الشهادات والمناصب تتساقط أمام لحظة حلم بأمومة.


تمضي الأيام ... تليها الشهور ... تليها السنين، وتتساقط الأوراق من على رزنامة الأيام ورقة بعد ورقة، وأرواد تزجي أوقات الإنتظار في الوقوف على الشرفة، وما كان وعد أسامة لها إلا حقنة صبر، فأسامة لم يدخل المسجد يوما، ورفاقه لم يكونوا إلا رفاق حانة وليسوا رفاق مسجد، وكلما سقطت على أرض شرفة أرواد دمعة، سقطت مقابلها دمعة أخرى في "المهجر" من فصيلة الدمع ذاتها، ولكن دمعة أسامة كانت دمعة ندم على نذالة اقترفها بحق زهرة رقيقة تركها في مهب الريح، ولكنه سرعان ما كان يجفف تلك الدمعة، بجرعة من الكحول أو سيجارة من "الماريجوانا"، أو في أحضان أنجلوساكسونية، مثلما يجفف باقي الرجال دموعهم، وأرواد تنتظر، وفي كل مرة يهاتفها، يحقنها بالصبر، وهي لا زالت في تصديق مستمر، فما أبيض قلبها،

ومرة ...يدخل إلى الحي رجل وسيم الملامح، فيتفرس بحنين مغترب كل ما تقع عليه عيناه، ويشرح للصبي الصغير الذي برفقته عن ملاعب طفولة أبيه، والفتى يهز بشعره الذهبي مبتسما، وقد غاب عن هذا المشهد العائلي ركن مهم اسمه الأم، لأن هذا الولد كان ثمرة جرعة زائدة من الكحول وغمامة من "الماريجوانا"، وهناك في شرفة بعيدة تقف فتاة اسمها أرواد، تحمل السكاكر وتنثرها فوق رؤوس الصبية، ولا زالت تحتفظ بالملامح نفسهاإلا أن  شعرها صار بلون قلبها ...

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/


الأربعاء، 11 مايو، 2011

الأسبوع التاسع عشر - لأننا هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية !!


موظف بسيط، أخرج من البيت متمتما بأذكار الصباح، قناعتي سر هدوئي، لا يستفزني الطابور الشبيه بأفعى عملاقة والذي أصطف فيه كل صباح؛ فلا مكان للتذمر والشكوى فوق لساني الرطب دائما بذكر الله، وليست هذه الشكوى التي تصدر مرارا من أفواه الزملاء في الطابور إلا قلة صبر منهم؛ فبعد قليل ستأتي حافلة النقل العام لتأكل نصف الأفعى بقضمة واحدة، صحيح أن الإنتظار يتسع أحيانا لإقامة حفل تعارف يتخلله وجبة إفطار خفيفة متبوعة بفنجان من القهوة، بيد أن الحافلة ستصل ولو بعد حين، كما أن تلك الشمس التي تظللنا بنورها الحار، تصبغ جلودنا بلون نحاسي مرغوب، تدفع لقائه النساء المخمليات ثمنا باهظا وهن يتنقلن بين شاطيء وآخر !!

أعصابي من جليد، لاشيء يستثير فزعي؛ فكل ما يرهبه بني الإنسان يمشي إلى جانبي كتفا إلى كتف، ولا يؤرقني مرضي الوراثي وهلة واحدة؛ فلا ريشة على رأسي حتى أكون غصنا ناشزا عن شجرة عائلتي آل "مطحون" التي عانت "متلازمة الفقر" على مر العصور !!

أشفق على الناس التي تركض خلف طموحاتها، فالطموح عندي رجس من عمل الشيطان؛ تفكير يحرمهم النوم والأحلام، أحلام يقظة تخل بأدائهم الوظيفي المقدس عندي، وإذا ما نال أحدهم المراد، عاش قلقا على منجزه، أما أنا فلا أخشى الحسد، رغم أن زملائي دائما يحسدونني لأنني لا أملك شيئا أحسد عليه !!

وحدها الأبواب ما يثير فزعي، لذلك أحرص على إبقائها مغلقة؛ فقد يكون خلف الواحد منها ألف باب، ضيق الأفق أكره التغيير، فأنا لا أعرف من العالم سوى بيتي وعملي اللذين أراوح بينهما يوميا، لكنني سعيد بهذا، وإن كنت غير ذلك، إذن ... فأنا لست من آل "مطحون" !!

مثالي بسيط، مخلص لعملي الذي يدر علي أجر يومي يكفي لتأمين صدري بعلبة سجائر وملء معدتي بوجبتي إفطار وغداء والعشاء عند الجيران، لا أفكر في الزواج مطلقا، وأكتفي بابتسامة فتاة "عانس" ذاهبة إلى عملها، فأسخر النشوة التي ولدتها تلك الإبتسامة في خدمة الصالح العام !!


الحياة التي رسمت خطوطها بشكل يتناسب وأفقي الضيق، ظلت هادئة إلى أن زارني جدي ذات منام، أنحنى ناظرا إلى كفي، ثم ما لبث أن غادر الحلم غاضبا، شمس الصباح، ابتسامات العوانس، وخدمة الجمهور، لم يتركوا لي أي حيز للتأويل، لكنه – أي جدي – عاود الزيارة في منامات متتالية، إلى أن عرفت التأويل، فذات إجازة خالية من المباهج وصلت بعد تفكير عميق أن جدي غير راض عن عدم زاوجي، بدليل أنه ينظر غضبان أسفا إلى كفي الفارغتين من أي محبس، فأنه رغم إدقاعه بأوحال الفقر إلا أنه كان يحث على الزواج والإنجاب؛ فقد كان مؤمنا بـ"المخلص" الذي سينتشل آل "مطحون" من الطين، كان مقامرا بالحلال، ولي من الأعمام 25 عم وعمة بؤساء، كانوا حصيلة لعب جدي وجدتي "القمار" في غرفة معتمة !!


حاولت الفرار من رغبة جدي؛ فوراء باب الزواج تحديدا مئة ألف باب، بيد أن محاولاتي باءت بالفشل؛ ففي المرة التي امتنعت فيها عن النوم، باغتني في غفوتي القصيرة على الأريكة المقابلة للتلفاز، وعندما ذهبت للنوم واضعا محبسا في يدي اليسرى، سرعان ما جاءني في أول النوم قائلا : يسبق الزاوج خطبة يكون محبسها في اليد اليمنى !!


القدر هو الآخر آثر الإنحياز؛ فالفتاة التي عينت حديثا في الدائرة تبدي اتجاهي ودا عز نظيره، تطمئن عن حالي دائما، تساعدني عندما يتكوم الجمهور حول شباكي ..، قالت لي مؤخرا أنني الوحيد الذي تراكبت كيمياؤه مع كيميائها ..، شيئا فشيئا وبمكر نسائي لفتني خاتما حول بنصرها، تعرجت خطوطي المستقمية، واستسلمت راياتي لرغبة جدي، وصار وجودي حول أصبع الفتاة محبسا معدنيا كدلالة على إرتباط رسمي !!


وليس صدفة هذا التوافق الكيميائي بيننا، فهي من آل "معجون"، وآل "مطحون" وآل "معجون" هما فخذان من عشيرة "بني مأزوم"، وهي قارئة جيدة في علم الأنساب، وقد شرحت لي عن جدنا الأول "مأزوم ابن أزمة" وكيف قاتل "فقر الدم" ببسالة، ونجا من أربعين فيضان اقتلعوا خيامه، وستين محاولة اغتيال من الجيش الإنكشاري العثماني لتخلفه المستمر عن دفع الضرائب !!


ما كنت أعلم أن الطريق إلى بيت الزوجية طويل مهلك، وحدها محابس الخطوبة تسببت بجفاف شهرين متتاليين، ولدور السينما والمقاهي حكاية أخرى، وفي الطريق صالة يستلزم الجلوس فيها ساعتين راتب عام كامل، وعندما قررت التحايل على الوقت، قدمت لــ"قرض حسن"، لكن حسن قصير اليد، والممنوح لا يكفي لنصب "شادر" يقام فيه حفل للشباب فوق سطح العمارة !!


وعندما استوطن اليأس أوصالي، صارحتها برغبتي في استرداد حياتي الأولى، لكنها تمكنت من إقناعي أن العسل كامن خلف الباب الأخير، ثقتها بعنفوانها وشبابها جعلت من الوقت مسألة ثانوية، ومرة كبرت في رأسها عندما أخذ بريق إعلان "سكن لطيف لمواطن خفيف" عينيها، وراحت تقتعني بأننا لو عملنا لساعات إضافية (تفوق بعددها ساعات العمل الرسمي) فأننا بذلك نستطيع تأمين دفعة أولى لشقة العمر، وزادت على ذلك بأن قالت أن المخلص المنتظر (أمل جدي) يجتاج إلى حاضنة دافئة لتفقس فيها مواهبه بأمان، فتلك المواهب هي التي ستنتشل آل "مطحون" من السخام !!


وبعد عامين من العمل المتواصل تمكنا من الإيفاء بالدفعة التي يتبقى مثلها ثلاث مرات، وما أن دفعنا المبلغ حتى هرب المتعهد، وصارت قضية "سكن لطيف لمواطن خفيف" قضية فساد كبرى، وضعنا نحن الصغار في متاهاتها، وفي أثناء ركضي المحموم ما بين دائرة وأخرى، علني أسترد جزء من شقائي، شخت دهرا، مما جعلني عازما على "فك الإرتباط"، وأغريتها بالتنازل عن دفعة الشقة (إن عادت) وباقي الحقوق الأخرى، لكنها كشرت عن أنيابها، وصرخت بملء صوتها وصرحت للمرة الأولى بأن زواجها مني ليس مشروع زواج "أجدب" من "جدباء" إنما تنفيذا لرغبة جدها الذي يزورها في المنام هو الآخر طالبا منها "مخلص" لآل "معجون" !!


وإلى الأمام مشيت فوق النار؛ فما عاد هنالك وراء، وبعد مخاض عسير ...


تزوجنا، وفي صبيحة العرس تم الطلاق !!


أرض المعركة كانت بعيدة جدا، والجيش المرهق أصلا سار المسافة مشيا، وظلام الطريق أورث في النفس الألم والحسرات، وتعاقب الفصول المتطرفة ببردها وحرها غلف الأسلحة بالصدأ ..،


كنت أبكي أمام صورة جدي راجيا منه العفو والسماح، أمسد شعري الأبيض وأردد :


لأننا هرمنا ... هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية !!

                                                                              نادر أحمد

الأربعاء، 4 مايو، 2011

الأسبوع الثامن عشر - بالرفاه والبنين



مكتوب على ورق الخيار، أن من يسهر الليل ينام النهار، جفناي يأبيان التلاقي؛ بعد عناق طويل خلال النهار، الوقت : منتصف الظلام، الفجر بعيد، والليل لا زال في بواكيره، أحتاج إلى فائض من الفضول يؤهلني لتصفح الشبكة العنكبوتية ( سايت ... سايت، بروفايل ... بروفايل، تشات ... تشات، شبر ... شبر، زنقة ... زنقة ) !!

أتفقد القادم إلى بريدي الإلكتروني، أطالع الوارد من الأخبار في الصحف، أتسلق أعمدة الكتاب اليومية، على "يوتيوب" أتابع هطل الدم المنتظم الذي لا بد منه لاخضرار ربيع العرب، أذهب إلى "فيس بوك"؛ قد يكون أحدهم كتب على حائطي خربشات غير مسؤولة، فألتقي بالــ"فريندز" في "بيت خالتي" !!

الوجوه على الماسنجر رمادية عابسة، ولا وجوه صفراء تنبض بالابتسام "اون لاين"، حائط "فيس بوك" فادح البياض، الجميع نيام، الظلام لا يزال ثقيلا، أعاود الرجوع إلى بريدي الإلكتروني كي أتسلى إلى حين أن "يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"، أقرأ كل الرسائل الواردة إليه منذ تدشينه إلى الآن، حتى تلك التهديدية التي بعد "جزاك الله الخير" إن لم ترسلها إلى عشرة من أصحابك ... "تموت الليلة" !!

أضغط على خروج، أستطيع أن أمضي المتبقي من يقظتي متأملا سقف الغرفة من على سريري البارد حتى يغالبني النعاس، تتم عملية الخروج من البريد الإلكتروني بسلاسة، ليحل مكانه صفحة "مكتوب" الرئيسة، تستوفقني صورة الشاب والفتاة الباسمين التي أراها منذ أيام ثمانية، أنقر عليها بالفأرة، لأتفاجأ بعد ذلك بالمحتوى؛ فالصورة التي كنت أحسبها "دعاية معجون أسنان" لم تكن إلى صورة ولي عهد بريطانيا الأمير "ويليام" وخطيبته التي صارت اليوم زوجته بعد حفل زفاف باذخ!

أستطيع الآن ترميم صورة الزواج المغلوطة في مخيلتي؛ فقد كنت أعتقد أن الزواج بداية لنفق مظلم وفقا لصورة بالأبيض والأسود لجدي يوم زفافه؛ يقف فيها متجهما بوضع عسكري يؤدي تحية العلم، أفهم الآن إصراره على عدم الإبتسام؛ فقد كان فقيرا لا يملك ثمن تقويم لأسنانه التي كانت مبعثرة كأثاث مقهى اندلع فيه شجار عنيف !!

وما بين صورتين على طرفي نقيض، زفاف الأمير "المهيب" الذي فاقت كلفته المئة مليون دولار، وزفاف جدي "المعيب" الذي انخفضت كلفته عن المئة دينار، والذي أكون أنا آخر ثماره الفاسدة، تركض الذاكرة إلى وراء بعيد، لحفل زفاف جماعي كنت أحد مدعويه، أقامته "جمعية المستورين الخيرية" بدعم من كبريات الشركات التي تحرص على بناء جسور التواصل بينها وبين جيب المواطن، يومها حار أحد العرسان أين يلتقط صورة العمر التي تعلق لتكون جاهزة لاستقبال المهنئين و"العزال" في صالون بيت الزوجية؛ فكل الخلفيات كانت إعلانات عملاقة للشركات الراعية، إلى أن اقترحت عروسه الذكية، أن تكون خلفية الصورة الإعلان الأصغر على أن يرمم "الفوتوشوب" ما أفسده الدهر، فكانت خلفية الصورة "هذا الزفاف برعاية زين" !!

لا غرو أن الأمير حار هو الآخر في انتقاء خلفية تليق بالصورة التي ستعلق في غرفة الإستقبال داخل القصر، شرفة القصر مثلا، الحشود الهائلة، أم العربة التي يجرها حصانان أبيضان هاربان من الأساطير! فكل خلفية أجمل من أختها، ورحم الله جدي الذي كانت خلفية صورة زفافه "شادر" بني اللون !!

سينفصل الأمير عن زوجته فور تعرفهما أجساد بعضهم بعضا؛ فأطول زواج للمشاهير لم يطوه عقد من الزمان، بيد أن أصحاب الزفاف الجماعي سيزدادو لحمة؛ فالعدو مشترك وواحد اسمه الشقاء، ويصنع الضوء من الأمير الصغير الذي ستضعه "كيت" أميرا يأسر القلوب رغم سنوات عمره التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة؛ فيقال : ذهب الأمير ... جاء الأمير ... تبرع الأمير ... رضع الأمير ... تثاءب الأمير !!

أما أطفال الزفاف الجماعي فلا ضوء لهم، رغم الأعمال الخيرية (غير المادية) التي يقومون بها ليلا نهارا؛ فهم يدفعون سيارة جارهم قديمة الطراز التي لا تعمل إلى بـ"دفشة"، أو يحملون أكياس الخضار عن جارتهم العجوز التي عرفت الشقاء قبلهم بكثير، أو يحملونها حتى يتحصلوا على دراهم قليلة تسند ظهور أهلهم !!

ولن يتحيز الضوء لهم؛ فالضوء أعمى تحركه أيادي متزلفين بجيوب جائعة، وتأخذ يدا "كيت" الأبصار بنعومتها أثناء الظهور المتلفز الأول لها بعد انفصالها عن الأمير، كما ستأخذ أيادي أصحاب الزفاف الجماعي أبصار الناس بخشونتها التي خلفها فرط الطرق على أبواب أصحاب المقام الرفيع ليعينوهم على حياتهم الغليظة !!


فبالرفاه والبنين يا سمو الأمير ... وبالعذاب والأنين أصحاب الزفاف الجماعي !!

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/