الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

الأسبوع الخامس والثلاثون - عطايا مفلس





     عندي عين مسرفة، تسكب ماءها للقاصي والداني، أحيانا ... أشعر بأنها سبيل تحت شجرة في ساحة عامة  شديدة الإزدحام؛ مسرفة حتى أنها أربكت إخوان الشياطين؛ مسرفة حتى أنها لا تتوانى عن صرف دمعة أو اثنتين (حسب قساوة المشهد) إلى صالح بطلة المسلسل التركي التي تبكي حبيبا اختطفته عصابة الأشرار !!

لكل الناس من دموعي نصيب : أطفال غزة، المغتصبات في البوسنة، الثكالى في إدلب، الروهينغيا في بورما ..، عيني غيمة عابرة للقارات يعرفها الناس في غروزني، سربرينيتشا، كشمير، كابول، الخليل، وبقية كثيرة تأتي ..، تمطر ولا تنضب، لكنها دورة الطبيعة في جسدي، أيامي وأعصابي تحترق وتتبخر حتى تزيدها ماء !!

لم يحدث أن اشتكت إحدى النساء انقطاع دمعي عنها ..، فكلما استدعت الوحدة الأرملة (ام محمود) أن تصلي ركعتين في جوف الليل للالتحاق بـ (ابومحمود) المسافر منذ زمن بعيد إلى السماء، قامت وتوضأت بدمعي، وكلما احترق قلب (ليلى) المطلقة بذكرى زوج سكير أخذ الأخضر من أيامها بردت قلبها بدمعي ..، عيني لا يوجد فيها قسم شكاوى مثل هذا الموجود في (سلطة المياه)..، فالدمع جار فيها ليلا نهارا، صيفا شتاء، شعارها "شاركيني قصتك الحزينة واستحمي بدمعاتي" !

وحدها العتمة تعرف فيم أنفقت عيني دمعاتها، فعندما تطفأ الأنوار ويبقى الضوء المتسرب من قناة "ناشيونال جيوغرافيك"، ينهمر دمعي حتى يختلط بحبات (البوشار) فتزداد ملوحة، فلا أقدر ألا أشارك الظبية فجيعتها بفقدان صغيرها الذي قضى بين أنياب الفهد، فللحيوانات البريئة أيضا نصيب وافر من دمع عيني، لذلك ... فقد امتنعت عن تربية الحيوانات الأليفة منذ زمن، حتى لا أتعلق بها ثم أبكيها يوم الفراق !!

وفي تطور خطير كادت عيني أن تفضحني وتسكب ماءها على الأسفلت على مرأى من الجموع التي احتشدت لتشاهد الشاب العشريني المطروح أرضا والذي دعسته سيارة مسرعة للتو ..، نظرت في وجهه الجميل الذي كان ينبض بالحياة حتى لحظات قليلة قبيل الحادثة، نظرت إليه وقد استحال أصفر مثل ورقة خريف، نظرت إلى بطنه الذي كان يرتفع ثم ينخفض بسبب تسارع أنفاسه، نظرت إلى يده التي فيها محبس خطوبة، فكرت في ألمه الذي يمزقه الآن، فكرت في وجه أمه عندما تتلقى الخبر، فكرت في خطيبته التي ستكون بالضرورة صاحبة وجه بريء مثل أرنب، فكرت كيف ستسقط وتنهار، فكرت في الإنسان القوي الضعيف  ...  تحركت أمعائي، خارت قواي، شعرت بالغثيان ورغبة في التقيؤ، التفت خلفي، إلى (سيخ الشاورما) تحديدا عله يجلب السرور إلى قلبي كما يفعل دائما، ولكني لم أره فقد ترقرق الدمع في عيني حتى صار حاجزا من الغشاوة ..، استدرت وركضت إلى مكتبي، هناك سأبكي دون أن يراني أحد، وحدها الجدران والأبواب المغلقة تحفظ الأسرار.

هناك بين الجدران بكيت بسخاء حتى تبلل الهواء، ثم تحول البكاء غضبا على تلك العين المسرفة، فلقد كانت عينا شاذة من بين كل العيون، فهي الوحيدة التي ترقرق فيها الدمع، فيما انشغلت بقية العيون من حولي بأشياء أخرى: فتاة تصور الشاب المدعوس على هاتفها المحمول بثبات تتطلبه المهنية العالية في التصوير، شاب يلوك (الشاورما) ضاحكا ويهمس في أذن صديقه قائلا " شوف كيف بمثل" فيرد صديقه قائلا " عشان يعيش يومين حلوين بالمشتشفى على حساب السايق"، مراهقات يراقبن المشهد بملامح غير مكترثة ويتبادلن بعض النكات أحيانا! حتى السائق لم يتنازل ويأخذ الأمر على محمل الجد، فلا أذكر بأنه أنزل نظاراته السوداء عن عينيه ... كل ما كان يفعله هو المشي برأس مرفوع وسيجارة بيضاء طويلة ومكالمة هاتفية أخبر فيها أهله أنه قد دعس شابا!!

انتهت وصلة البكاء ..، ولكني لا زلت حزينا، فأيامي طويلة حين البكاء وأقصر من أن يكتمل القوس في شفتي حين أضحك، وأرخص ما عندي دمعاتي، فيدي قصيرة خالية من المرهم وعيني بصيرة غارقة في الدمع، وأعرف أني لو سكبت بملء الهواء دمعا ما زدت العطاشى إلا ملحا، لكنها ردة فعل المفلس، و(أفلس) من هذا كله لومي لعيني، لكنها إحدى الشماعات التي لا بد منها، فليست الدمعات إلا ترجمة عضوية لانفعالات تحدث في خلجات إنسان أحمق، لكني أبث إلى عيني الشكوى علها تسمع وتدخر دمعة نذرفها على أنفسنا  قبل أن يجف ماؤها ولا نجد من يذرف دمعة علينا حين تأزف ساعة البلاء !!


الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

أحمد


لا زلت أذكر تلك اللحظات التي التقينا فيها للمرة الأولى، كان ذلك قبل ثلاث سنوات تقريبا، هناك في مكتب المهندس كمال في جبل الحسين حيث كنت أجلس وحيدا، أرسم على برنامج الأتوكاد مخطط بيت ريفي (واقع)، ليفتح الباب فجأة شاب يصغرني بعامين تقريبا ..،

السلام عليكم قالها ثم جلس على الجهاز المقابل،

كنت أعرف بأن مهندسا جديدا سيشرع في العمل معنا في المكتب ذاته، الغريب أننا لم نتكلم أي كلمة، الكلام بدأ بيننا بالغناء، أحمد استعذب صوتي وأنا كذلك

أحمد (يطلع بالموال) وأنا أرد عليه بموال آخر !!

هكذا حتى انتهى اليوم !! لم نتكلم أي كلمة كلها كانت غناء، في الساعة السادسة مساء قلت له السلام عليكم وذهبت

أيام قليلة حتى توطدت صحبتنا أكثر فأكثر، ثم غدونا اصدقاء حتى العظم

قالت  الأديبة غادة السمان "هناك أشخاص عندما تلتقي بهم تشعر كأنك التقيت بنفسك"

وهذا ما حصل عندما التقيت بأحمد، الميول ذاتها ، الحس الساخر ذاته، حبنا للغة العربية، حبنا للموسيقى
وأشياء أخرى كثيرة

أحمد طيوب جدا جدا صاحب "بيبي فيس"

طفولي في كثير من الأحيان، وحبه الأول والأخير يبقى لـ "شوان ذا شيب" الأخ الخروف في الصورة أعلاه

أحمد ذكي جدا بمجالات الحاسوب، متفوق في اللغة العربية رغم دراسته للهندسة المعمارية ..، ينظم الشعر، لذلك ... و أخيرا أقنعته بأن ينضم إلى أسرتنا (اسرة التدوين)

ويالله يا شباب ويا صبايا الباقي عندكم هجووووووم على المدونة

الأربعاء، 19 ديسمبر، 2012

الأسبوع الرابع والثلاثون - دعم على الفحم




     في الماضي المنتهي حديثا، كنت اسما بارزا في قائمة طويلة من البسطاء الذين ليس لهم قائمة؛ الأغلبية (الغلابى) التي تقطن بين مائين هندي وأطلسي؛ هؤلاء الذين أغلقت كل الأبواب في وجوههم فوقفوا (على باب الله) !!

لم يكن وجهي (فوتو جينيك)، بيد أنه كان قبلة الرسامين والعاملين في مجال (الجرافيك ديزاين) من مختلف أنحاء العالم، فقد كان فيه من الحزن والضياع ما يؤهله ليكون على غلاف أي رواية تتحدث عن البؤس والشقاء، ولو أنني كنت موجودا في زمان الأديب الإنجليزي " تشارلز ديكينز" لما تردد في وضع صورتي على غلاف روايته الأبرز التي تتحدث عن الولد المتشرد الذي ترعرع في ملجأ الأيتام "أوليفر تويست" !!

اليوم جاء عصري، قامت قائمتي التي محت اسمي من على قائمة البسطاء، تصنيفي الفئوي تغير، فبعد أن كنت من جماعة (على باب الله) صرت (ابن حكومة)، الوجه الطيب البائس تبدل  وأصبح غريبا عن المرآة التي صارت ترتعش من ملامحي التي تقطر شرا، عكس ما كان في السابق عندما كنت أشعر بأنها تضحك وتقول (يخرب بيتك شو أهبل)، كانت تتمنى لو أنها تصطبح بشيء جيد عكس الشيء البائس الذي يقف أمامها !!

وجهي صار (فوتو جينيك) ، لم يعد قبلة الرسامين والمصورين الباحثين عن وجه يزلزل وجدان الإنسانية، وجهي صار قبلة لصناع السينما والمنتجين لفرط ما تجسد فيه من الشر، أكاد أسمعهم ينادون بأن خليفة الممثل المصري الراحل "عادل أدهم" موجود في عمان !!

قصة انقلاب حالي تعود إلى مساء الرابع عشر من نوفمبر، ففي ذلك المساء كنت بين الكاف والنون عندما قال الله "كن"، فأصبحنا أنا والإخوة البسطاء إخوانا من أم واحدة اسمها "حكومة"، فعندما كنت مضطجعا في غرفتي وصوت "كاظم" الشاكي يضرب الجدران (منين اجيب الحظ للحظا نحس ... منين اجيب الحظ) وإذ بالإمام العادل رئيس الوزراء يطل علي عبر شاشة التلفاز ويعلنها دعما بقيمة سبعين دينارا من جيب الحكومة الخاص لكل مواطن فقير، أما أصحاب الدخل العالي فلا دعم لهم ..، تركت كاظم يواجه حظه السيء وحيدا، غادرت الغرفة مسرعا، رفعت أنفي إلى السماء، ثم وقفت أمام طاولة الطعام الجالس إليها أبي وأختي، رفعت أنفي إلى السماء وقلت " أنا مدعوم"، اتسعت عينا أبي حتى كادتا تغادرا محجريهما، توقفت حبة الفلافل في يده وقال ( خير من دعمك ... أخدت رقم السيارة ... رحت على المستشفى)، تبسمت وقلت "أنا وأنتم (ولاد حكومة)" ..، التمعت عين أبي بالشر ثم تبسم بخبث  ورمى ما تبقى من قرص الفلافل بين فكيه دونما أي شفقة !!

توجهت بعد أيام قليلة إلى المصرف كي أحصل على مخصصاتي المالية كـ"برجوازي" حديث الانضمام إلى النخبة المخملية، تفاجأت بطابور النبلاء الموجود هناك، فكرت في حيلة من من حيل الأيام الخوالي تمكنني من تجاوز هذا العدد الهائل من الناس: كأن أميل على قدمي فتشفق الناس علي فيضعوني على رأس الطابور رفقا بعاهتي المستديمة، بيد أني تذكرت بأني أصبحت من البرجوازيين، وأفعال زمن البؤس الماضي لا تليق بي الآن.

 انتظمت في الطابور، رحت أتأمل كل شيء حولي، بالأخص وجوه النبلاء : رجل سبعيني نظيف الفم إلا من سن واحدة صامدة فوق اللثة السفلية، امرأة سمينة حامل ومن أمامها طفل ومن خلفها ولد وعن يمينها بنت وعن شمالها مراهق وعلى يدها نام رضيع حديث الولادة وعلى مؤخرتها جلست طفلة ... حسبتها باص حضانة !! ولكني عندما التفت إلى الشارع من خلفي لمحت رجلا يجلس في سيارته المرسيدس كوبيه ينظر إلينا بوجه تملؤه الحسرة، فما كان مني إلا أن رفعت أصابعي الخمسة في وجهه مرددا بصوت مسموع "ومن شر حاسد إذا حسد" فجاءني صوت من أمامي "فأما السائل فلا تنهر" ثم تبعت الآية بـ (يما)، نظرت إلى صاحبة الصوت فإذ بها (حجة) طاعنة في التعب، وعلى ما يبدو أنها من علية القوم، فجلبابها الممزق على الطراز الحديث وبابوجها البلاستيكي يوحيان بذلك !!، أطرقت ... وبما أن عتابها كان من كلام الله رددت عليها بنبرة برجوازية  "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه" فقالت (لا تقول هالحكي يما) هذا كان جواب الكفار الأغنياء للمؤمنين ليتهربوا من دفع الزكاة والصدقة، أطرقت قليلا ثم أردفت "وجعلنا بعضكم لبعض سخريا"، ورحت أشرح لها بأن هؤلاء سخرهم الله لنا نحن النبلاء، هم يكدون ويتعبون ويدفعون الضرائب ونحن نأتي لنأخذ المخصصات، وأسهبت في الشرح حتى وصلت إلى نظرية "مالتوس" السكانية، فصمتت (الحجة) حتى ظننت أنها فهمت ما أقول، لكنها قالت بعدما انتهيت (الله يكفينا شر الكهربا يما) !!

مرالوقت بطيئا، ظل الحاجز البشري الذي يفصلني عن موظف المصرف في تقلص حتى صار حاجزا زجاجيا فقط، ألقيت على الموظف المنهك تحية الصباح بلهجة أعجمية  - بحكم أني صرت من النبلاء – فنظر إلى الساعة المعلقة خلفه ثم رد ضاحكا "مساء الخير"، وبعد التأكد من اسمي ووضعي المادي الذي نزل عن (الحديدة) بمراحل، نقدني بـ ثلاثة وعشرين دينارا وثلاثة وثلاثين قرشا ثم قال " قيمة الدعم سبعون دينارا سنويا تدفع على أربع دفعات، بواقع دفعة كل أربعة شهور، تبسمت ببسمة هادئة متعالية وقلت بنبرة برجوازية (شكرا يا ابني) على الرغم من أن الشعر القليل الباقي على رأسه كان أبيض، إلا أن كلمة ابني يجب أن نقولها نحن البرجوازيون للكبير والصغير ذلك أننا أكابر القوم !!

في طريق العودة إلى البيت، كنت أفكر بتلك الحكومة الرؤوم، فعلمها بما ينفعنا وما يضرنا أكثر من أنفسنا دفعها إلى تقديم الدعم على دفعات، فهي تعلم أننا نحن – أي البرجوازيين – أيدينا مبسوطة ومثقوبة، تخاف إن سلمتنا الدعم كاملا من أن نذهب للتسوق في لندن و نقيم الولائم وحفلات الشاي وسهرات البيانو ..، يا سلام ما أكبرها من حكومة ... إلا أن ذلك لم يمنعني من إقامة وليمة صغيرة على شرف رئيس الوزراء، اتصلت بشقيقتي، سألتها ما إذا قد كانوا تناولوا طعام غدائهم أم لا، فجاء الرد بأن لا، وهكذا رحت إلى أحد المطاعم الهندية الشهيرة، سألني المحاسب "دجاج حار"؟ فكان ردي (حط) ثم عاود السؤال "أرز برياني" فقلت (حط) ثم قال "خبز بوري" تأففت قليلا وبحركة برجوازية نزقة من يدي أشرت له قائلا (حط كل شي ... كل شي)!!

(كل شي) هذه كانت رهيبة، فعندما نقدت المحاسب بالورقة النقدية المهيبة ذات الفئة الأعلى، رد منها دوائر معدنية بائسة، لكني تبسمت بثقة برجوازي عتيق قائلا (خلي الباقي عشانك).

 الأجواء في البيت كانت مثالية، كل متطلبات العرس الوطني كانت موجودة، أغاني وطنية حماسية تتخللها بعض الزغاريد، (بوسترات) لرئيس الوزراء، كنت في أوج بهجتي، الدجاج كان لذيذا جدا، حتى أني كنت أغني على طريقتي الخاصة (جاجك يا هالوطن جنة) عندما كان المطرب يردد بحنين مغترب كسرته الأشواق (ترابك ياهالوطن جنة)، كما أنه – أي الدجاج – كان حارا جدا، مما جعلني أنظر في الدجاجة مرددا (حتى نارك جنة) عندما كان المطرب يقول في مقطع آخر (حتى نارك جنة) !!

 انتهى العرس الوطني، وكما أسلفت فإن الدجاج كان حارا جدا، حتى أني شعرت بزفراتي النارية تكاد تحرق أحشائي – شعرت أني تنين – مما استدعاني إلى الخروج إلى السوبرماركت لأشتري مشروبا غازيا يطفيء لهب التوابل الهندية الحارة، وهناك لم أستطع مقاومة إغراء المكسرات المختلفة الأشكال والألوان، أخذت من كل صنف حفنة، وضعها البائع في الميزان، وأخذت المشروب الغازي وعدت إلى البيت بأياد عامرة وجيوب خاوية (طار الدعم) بيد أني لم أسمح لأي منغص بإفساد عرسي الوطني، كما أن عزائي في أن دعما آخر في انتظاري بعد ثلاثة أشهر كان كفيلا بترطيب مزاجي بعض الشيء، ولأني أحب أن أشرك الجميع في أفراحي وأعراسي القومية، كتبت على حسابي الشخصي على "تويتر" : "اليوم تناولت (جاج تكا) على شرف رئيس الوزراء،  لم نفسخ الدجاج سويا – أي أنه لم يكن معي – لكن الوليمة كانت على حساب معاليه" !!

لم تمضي خمس دقائق حتى جاء رد فعل من أحد الأصدقاء الثوريين مكتوب فيه "الانتخابات على الأبواب، في الماضي كنا نعاني من قذارة المال السياسي، اليوم تبدلت قواعد اللعبة ودخلنا في زمن (الجاج السياسي)"!! خمس دقائق أخرى حتى غرد ثائر آخر " تحولنا من مرحلة  شراء الذمم إلى مرحلة شراء البطون " !!

شرحت لهم بأن الوليمة ليست شراء ذمم أو مال سياسي، فرئيس الوزراء لن يترشح لمجلس النواب القادم، كل ما في الموضوع أن معاليه أعاد الأمور إلى مسارها الصحيح، وأعاد إلينا نحن النبلاء هيبتنا ووقارنا، لكنه الماضي الذي جعلهم يظنون بي ظن السوء هذا، فقد شاهدوني دائما عند مراكز الإقتراع في الدقائق الأخيرة من التصويت، كنت أمشي بجيوب فارغة مقلوبة إلى الخارج، في إشارة مني للمرشحين أن (مشوني بمشيكم) !!

ظلت أنفاسي حارة جدا حتى ساعات الليل المتأخرة، شربت الكثير من الماء، وهكذا حتى نمت، وفي صباح اليوم التالي وعندما استيقظت، وقفت ناظرا من خلال النافذة كما أفعل كل صباح، كان يوما باردا ماطرا، إلا أن هذه الأجواء لم تمنعني من رؤية أصدقائي الثائرين الذين علقوا على تغريدة الأمس متوجهين نحو المصرف !!
 كان البرد شديدا، هرعت مسرعا إلى (صوبة الغاز)، قدحة ... اثنتان ...  لم تشتعل، يبدو أن الغاز قد نفذ ..، أرسلت في طلب واحدة، فجاءتني محمولة على كتف العامل، وضعها على الأرض، سألته عن الحساب فجاءني الرد سريعا ( عشرة، كل سنة وانتة طيب يا باشا ) !!

 عشرة ... أي أنها نصف مبلغ الدعم !! أعطيته ما يريد وخرجت مني تنهيدة حارة جدا ... لا تذهبوا بعيدا ..، لم تكن تنهيدة قهر ..، إنه الدجاج الحار!!

الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

الأسبوع الثالث والثلاثون - من أنا







هذا الليل بارد حزين، لا أسمع إلا صمتا، جسدي يضيق بروحي، هذا أشبه بهدوء المقابر، الوقت متأخر، أشعر بالضجر، كل شيء يدعوني للخروج، فمن دأبي أن أمشي على غير هدى كلما ضاقت علي، أرتدي أثقل الملابس، لاداعي للوقوف أمام  المرآة، لمن أصفف شعري طالما رفاق الرحلة عواميد إنارة وأرصفة! نظرة خاطفة عبر النافذة تردني إلى الخلف، فهذا الصقيع الذي في الخارج جرد الأشجار من أوراقها ... أتخفف من ملابسي، أضيء المدفأة من جديد وأرتمي جثة فوق سرير، البرد قارس ولا مجال للخروج.

روحي تمور في جسدي، أكاد أتقيأها، أجزم بأنها كبرت وصارت تحتاج إلى رداء أكبر من هذ الجسد، هذا ما جنته كفاي اللتان استطابتا النوم تحت دفتي كتاب، هذا ما جناه علي خيالي الواسع وشطحاته البعيدة، دللت روحي حتى فسدت؛ خلعت نعليها لما شيدت لها في الخيال قصرا أرضه من المرمر،  ثقبت أذناها لما (عشمتها) بالأقراط الألماسية، اضطجعت في الركن البعيد في انتظار المرآة الكاملة التي حدث الشعراء عنها ..،

أما الجسد ... فتركته لحياة حديدية صدئة، جسدي يا جسدي ..، يا هذا (الدرويش) الذي يغفو على المقاعد البلاستيكية في حافلات مؤسسة النقل العام، يا هذا الذي يثب فوق مياه الصرف الصحي الفائضة هنا وهناك، ياهذا المكبل بالأحذية الصينية الرخيصة!! يا هذا الذي ارتضى احتضان الوسائد بدل احتضان الأميرات، آآآخ ... ماذا أقول بعد ياهذا (الدرويش) المتعب ..،

هذا الزواج بين روحي وجسدي باطل لعدم (التكافؤ الاجتماعي)، روحي التي أطعمتها خيالا وأدبا وشعرا سمنت حتى ضاقت عليها جدران جسدي؛ صارت على هيئة امرأة متمردة بردفين غليظين تقف كل يوم محلولة الشعر بالباب لتكيل الشتائم لجسدي (الدرويش) المستيقظ توا من غفوة على مقعد بلاستيكي في باص مؤسسة النقل العام،  العائد من مرارة الواقع محملا بأكياس الخيبة !!

هذا الليل بارد حزين ..، وأقول في نفسي "داوها بالتي كانت هي الداء"، أفسد الروح أكثر واسقها من خمرة الشعرعلها تنام، ديوان إيليا ابو ماضي الأقرب إلى يدي، سأدعو "إيليا ابو ماضي" إلى مجلسي ليكون "إيليا ابو حاضر"، ولكن أول ما يلوح من أبياته :

 " ياليل مالك لا ترق لحالتي     ...   أتراك والأيام من أعدائي                                                      ياليل حسبي ما لقيت من الشقاء   ...    رحماك لست بصخرة صماء

أطبق الكتاب متظاهرا بأنني لم أر شيئا، لا أريد أن أزداد حكمة اليوم، إذا كانت الحكمة مغمسة بالأحزان فعندي فائض من الاكتئاب تنوء بحمله الجبال، لا أريد أن أزداد حكمة اليوم !

هذا الليل بارد حزين ..، وروحي لا تفتأ (تحوص) في جسدي، أسمع ما يدور هناك جيدا، إنها تصيح، تعربد، تكسر الأطباق، آه يا روحي ... (آه يا آخرة الدلال) أكاد أراكي على هيئة مجنونة غجرية ثائرة الشعر، وآه يا جسدي (الدرويش) الهاجع في السرير بعدما هدك تعب الواقع، وأنا الطرف الثالث بينكما، أنا المسؤول عن هذا الزواج الفاشل، زوجت روحي الصبية لجسدي العجوز المهدود بفعل الواقع، وهذي النتيجة ... الصبية تفرغ طاقاتها بالتكسير والصراخ والعربدة، والعجوز يجلس بعيدا متظاهرا بعدم السمع، سأحتال على الاثنين ..، حبتا (بنادول نايت) لهذا العجوز وينام، وأغنية ذات لحن هاديء فتسكن روحي.

 أدعو صديق وحدتي "الساهر" إلى سهرتي، "كاظم" صار في المسجل الآن وأول ما ينطق به " هدد ... كسر ... حطم ... دمر ... العب على اعصابي ... ثور وحول بيتي جهنم وسمع كل صحابي "، تزداد روحي جنونا، ولكنني أقوم بقلب الشريط في حركة خاطفة، فيأتي الكلام " الليل ما ينتهي ... والآه مسموعة "، أسحب ذيل المسجل من القابس وأنهي المؤامرة، كل شيء ضدي في هذا الليل، روحي الناشز ... جسدي المتعب الذي لا ينام ... الشعر ... حتى الموسيقى، إن هذا الذي يحدث في غرفتي هو (انفلات أمني) وقد يكون بداية لثورة .

من أين جاء هذا الضوء، ماهذا؟؟ الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، تأخرت عن العمل، يبدو أنني نمت كثيرا، ولكن ...

أين الثورة التي كانت ليلة الأمس؟؟ أين الليل البارد؟؟

جسدي على المائدة يأكل طعام الفطور، وروحي تشاركه الجلوس على مائدة واحدة وتأكل طعامها الخاص بها (ضوء الشمس الدافىء في الأفق)  إنهما على وفاق تام ..،

من رآهم ليلة الأمس لظن أنها الليلة الأخيرة ...

لكن ... قدرهما أن لا يفترقا مهما اختصما إلا عندما يأذن الله

وها أنا أخرج معهما إلى العمل ...

 ولكن ... من أنا ؟