الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

الأسبوع الثالث والثلاثون - من أنا







هذا الليل بارد حزين، لا أسمع إلا صمتا، جسدي يضيق بروحي، هذا أشبه بهدوء المقابر، الوقت متأخر، أشعر بالضجر، كل شيء يدعوني للخروج، فمن دأبي أن أمشي على غير هدى كلما ضاقت علي، أرتدي أثقل الملابس، لاداعي للوقوف أمام  المرآة، لمن أصفف شعري طالما رفاق الرحلة عواميد إنارة وأرصفة! نظرة خاطفة عبر النافذة تردني إلى الخلف، فهذا الصقيع الذي في الخارج جرد الأشجار من أوراقها ... أتخفف من ملابسي، أضيء المدفأة من جديد وأرتمي جثة فوق سرير، البرد قارس ولا مجال للخروج.

روحي تمور في جسدي، أكاد أتقيأها، أجزم بأنها كبرت وصارت تحتاج إلى رداء أكبر من هذ الجسد، هذا ما جنته كفاي اللتان استطابتا النوم تحت دفتي كتاب، هذا ما جناه علي خيالي الواسع وشطحاته البعيدة، دللت روحي حتى فسدت؛ خلعت نعليها لما شيدت لها في الخيال قصرا أرضه من المرمر،  ثقبت أذناها لما (عشمتها) بالأقراط الألماسية، اضطجعت في الركن البعيد في انتظار المرآة الكاملة التي حدث الشعراء عنها ..،

أما الجسد ... فتركته لحياة حديدية صدئة، جسدي يا جسدي ..، يا هذا (الدرويش) الذي يغفو على المقاعد البلاستيكية في حافلات مؤسسة النقل العام، يا هذا الذي يثب فوق مياه الصرف الصحي الفائضة هنا وهناك، ياهذا المكبل بالأحذية الصينية الرخيصة!! يا هذا الذي ارتضى احتضان الوسائد بدل احتضان الأميرات، آآآخ ... ماذا أقول بعد ياهذا (الدرويش) المتعب ..،

هذا الزواج بين روحي وجسدي باطل لعدم (التكافؤ الاجتماعي)، روحي التي أطعمتها خيالا وأدبا وشعرا سمنت حتى ضاقت عليها جدران جسدي؛ صارت على هيئة امرأة متمردة بردفين غليظين تقف كل يوم محلولة الشعر بالباب لتكيل الشتائم لجسدي (الدرويش) المستيقظ توا من غفوة على مقعد بلاستيكي في باص مؤسسة النقل العام،  العائد من مرارة الواقع محملا بأكياس الخيبة !!

هذا الليل بارد حزين ..، وأقول في نفسي "داوها بالتي كانت هي الداء"، أفسد الروح أكثر واسقها من خمرة الشعرعلها تنام، ديوان إيليا ابو ماضي الأقرب إلى يدي، سأدعو "إيليا ابو ماضي" إلى مجلسي ليكون "إيليا ابو حاضر"، ولكن أول ما يلوح من أبياته :

 " ياليل مالك لا ترق لحالتي     ...   أتراك والأيام من أعدائي                                                      ياليل حسبي ما لقيت من الشقاء   ...    رحماك لست بصخرة صماء

أطبق الكتاب متظاهرا بأنني لم أر شيئا، لا أريد أن أزداد حكمة اليوم، إذا كانت الحكمة مغمسة بالأحزان فعندي فائض من الاكتئاب تنوء بحمله الجبال، لا أريد أن أزداد حكمة اليوم !

هذا الليل بارد حزين ..، وروحي لا تفتأ (تحوص) في جسدي، أسمع ما يدور هناك جيدا، إنها تصيح، تعربد، تكسر الأطباق، آه يا روحي ... (آه يا آخرة الدلال) أكاد أراكي على هيئة مجنونة غجرية ثائرة الشعر، وآه يا جسدي (الدرويش) الهاجع في السرير بعدما هدك تعب الواقع، وأنا الطرف الثالث بينكما، أنا المسؤول عن هذا الزواج الفاشل، زوجت روحي الصبية لجسدي العجوز المهدود بفعل الواقع، وهذي النتيجة ... الصبية تفرغ طاقاتها بالتكسير والصراخ والعربدة، والعجوز يجلس بعيدا متظاهرا بعدم السمع، سأحتال على الاثنين ..، حبتا (بنادول نايت) لهذا العجوز وينام، وأغنية ذات لحن هاديء فتسكن روحي.

 أدعو صديق وحدتي "الساهر" إلى سهرتي، "كاظم" صار في المسجل الآن وأول ما ينطق به " هدد ... كسر ... حطم ... دمر ... العب على اعصابي ... ثور وحول بيتي جهنم وسمع كل صحابي "، تزداد روحي جنونا، ولكنني أقوم بقلب الشريط في حركة خاطفة، فيأتي الكلام " الليل ما ينتهي ... والآه مسموعة "، أسحب ذيل المسجل من القابس وأنهي المؤامرة، كل شيء ضدي في هذا الليل، روحي الناشز ... جسدي المتعب الذي لا ينام ... الشعر ... حتى الموسيقى، إن هذا الذي يحدث في غرفتي هو (انفلات أمني) وقد يكون بداية لثورة .

من أين جاء هذا الضوء، ماهذا؟؟ الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، تأخرت عن العمل، يبدو أنني نمت كثيرا، ولكن ...

أين الثورة التي كانت ليلة الأمس؟؟ أين الليل البارد؟؟

جسدي على المائدة يأكل طعام الفطور، وروحي تشاركه الجلوس على مائدة واحدة وتأكل طعامها الخاص بها (ضوء الشمس الدافىء في الأفق)  إنهما على وفاق تام ..،

من رآهم ليلة الأمس لظن أنها الليلة الأخيرة ...

لكن ... قدرهما أن لا يفترقا مهما اختصما إلا عندما يأذن الله

وها أنا أخرج معهما إلى العمل ...

 ولكن ... من أنا ؟