الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

الأسبوع الخامس والثلاثون - عطايا مفلس





     عندي عين مسرفة، تسكب ماءها للقاصي والداني، أحيانا ... أشعر بأنها سبيل تحت شجرة في ساحة عامة  شديدة الإزدحام؛ مسرفة حتى أنها أربكت إخوان الشياطين؛ مسرفة حتى أنها لا تتوانى عن صرف دمعة أو اثنتين (حسب قساوة المشهد) إلى صالح بطلة المسلسل التركي التي تبكي حبيبا اختطفته عصابة الأشرار !!

لكل الناس من دموعي نصيب : أطفال غزة، المغتصبات في البوسنة، الثكالى في إدلب، الروهينغيا في بورما ..، عيني غيمة عابرة للقارات يعرفها الناس في غروزني، سربرينيتشا، كشمير، كابول، الخليل، وبقية كثيرة تأتي ..، تمطر ولا تنضب، لكنها دورة الطبيعة في جسدي، أيامي وأعصابي تحترق وتتبخر حتى تزيدها ماء !!

لم يحدث أن اشتكت إحدى النساء انقطاع دمعي عنها ..، فكلما استدعت الوحدة الأرملة (ام محمود) أن تصلي ركعتين في جوف الليل للالتحاق بـ (ابومحمود) المسافر منذ زمن بعيد إلى السماء، قامت وتوضأت بدمعي، وكلما احترق قلب (ليلى) المطلقة بذكرى زوج سكير أخذ الأخضر من أيامها بردت قلبها بدمعي ..، عيني لا يوجد فيها قسم شكاوى مثل هذا الموجود في (سلطة المياه)..، فالدمع جار فيها ليلا نهارا، صيفا شتاء، شعارها "شاركيني قصتك الحزينة واستحمي بدمعاتي" !

وحدها العتمة تعرف فيم أنفقت عيني دمعاتها، فعندما تطفأ الأنوار ويبقى الضوء المتسرب من قناة "ناشيونال جيوغرافيك"، ينهمر دمعي حتى يختلط بحبات (البوشار) فتزداد ملوحة، فلا أقدر ألا أشارك الظبية فجيعتها بفقدان صغيرها الذي قضى بين أنياب الفهد، فللحيوانات البريئة أيضا نصيب وافر من دمع عيني، لذلك ... فقد امتنعت عن تربية الحيوانات الأليفة منذ زمن، حتى لا أتعلق بها ثم أبكيها يوم الفراق !!

وفي تطور خطير كادت عيني أن تفضحني وتسكب ماءها على الأسفلت على مرأى من الجموع التي احتشدت لتشاهد الشاب العشريني المطروح أرضا والذي دعسته سيارة مسرعة للتو ..، نظرت في وجهه الجميل الذي كان ينبض بالحياة حتى لحظات قليلة قبيل الحادثة، نظرت إليه وقد استحال أصفر مثل ورقة خريف، نظرت إلى بطنه الذي كان يرتفع ثم ينخفض بسبب تسارع أنفاسه، نظرت إلى يده التي فيها محبس خطوبة، فكرت في ألمه الذي يمزقه الآن، فكرت في وجه أمه عندما تتلقى الخبر، فكرت في خطيبته التي ستكون بالضرورة صاحبة وجه بريء مثل أرنب، فكرت كيف ستسقط وتنهار، فكرت في الإنسان القوي الضعيف  ...  تحركت أمعائي، خارت قواي، شعرت بالغثيان ورغبة في التقيؤ، التفت خلفي، إلى (سيخ الشاورما) تحديدا عله يجلب السرور إلى قلبي كما يفعل دائما، ولكني لم أره فقد ترقرق الدمع في عيني حتى صار حاجزا من الغشاوة ..، استدرت وركضت إلى مكتبي، هناك سأبكي دون أن يراني أحد، وحدها الجدران والأبواب المغلقة تحفظ الأسرار.

هناك بين الجدران بكيت بسخاء حتى تبلل الهواء، ثم تحول البكاء غضبا على تلك العين المسرفة، فلقد كانت عينا شاذة من بين كل العيون، فهي الوحيدة التي ترقرق فيها الدمع، فيما انشغلت بقية العيون من حولي بأشياء أخرى: فتاة تصور الشاب المدعوس على هاتفها المحمول بثبات تتطلبه المهنية العالية في التصوير، شاب يلوك (الشاورما) ضاحكا ويهمس في أذن صديقه قائلا " شوف كيف بمثل" فيرد صديقه قائلا " عشان يعيش يومين حلوين بالمشتشفى على حساب السايق"، مراهقات يراقبن المشهد بملامح غير مكترثة ويتبادلن بعض النكات أحيانا! حتى السائق لم يتنازل ويأخذ الأمر على محمل الجد، فلا أذكر بأنه أنزل نظاراته السوداء عن عينيه ... كل ما كان يفعله هو المشي برأس مرفوع وسيجارة بيضاء طويلة ومكالمة هاتفية أخبر فيها أهله أنه قد دعس شابا!!

انتهت وصلة البكاء ..، ولكني لا زلت حزينا، فأيامي طويلة حين البكاء وأقصر من أن يكتمل القوس في شفتي حين أضحك، وأرخص ما عندي دمعاتي، فيدي قصيرة خالية من المرهم وعيني بصيرة غارقة في الدمع، وأعرف أني لو سكبت بملء الهواء دمعا ما زدت العطاشى إلا ملحا، لكنها ردة فعل المفلس، و(أفلس) من هذا كله لومي لعيني، لكنها إحدى الشماعات التي لا بد منها، فليست الدمعات إلا ترجمة عضوية لانفعالات تحدث في خلجات إنسان أحمق، لكني أبث إلى عيني الشكوى علها تسمع وتدخر دمعة نذرفها على أنفسنا  قبل أن يجف ماؤها ولا نجد من يذرف دمعة علينا حين تأزف ساعة البلاء !!