الأربعاء، 26 يناير، 2011

الأربعاء الرابع _ مذكرات لم تحدث بعد





إيماني بالأحلام والرؤى، يشبه إيمان الشعوب العربية بعدالة حكامها، ووجهتي فور استيقاظي من النوم هي الحمام، وليست إلى الخزانة التي يرقد فيها كتاب تفسير الأحلام، فأنا رجل المنطق الذي لا يقبل قراءة مستقبله في لوحات أحلامه وخطوط كف يده وقيعان فناجين قهوته.

وللحقيقة ... فأنا أحمد الله أني لا أؤمن بذلك، فأحلامي مركبة وليست بسيطة، فقبل أسبوع مثلا حلمت بأني أحضر حفل زفاف الآنسة كلبة على السيد تمساح الذي أقيم على حوض مسبح الهملايا في إحدى ضواحي مرسيليا، وبينما بدأت النساء بارتداء ملابسهن الشرعية للنزول إلى المسبح، كنت قد بدأت للتو تناول وجبة غدائي المكون من الفاصولياء بالنسكافيه، ولكن معلمة اللغة العربية السمينة باغتتني، فما كان مني إلا أن أرمي طبق الشاورما العربي بوجهها وأطلق ساقي للريح، لأجد نفسي خارج مدينة تورنتو بأسرها، لألتحق بعد ذلك بصلاة العصر في مسجد بكين الكبير في العاصمة الإيطالية الرياض !!
فقولوا بالله عليكم في أي باب من كتاب تفسير الأحلام أجد تفسيرا لذلك، باب رؤية الكلب مثلا، أم باب رؤية التمساح، أم باب رؤية الهملايا التي صارت في إحدى ضواحي مرسيليا ! وأي المفسرين يقوى على تأويل هذا الحلم السيريالي !!

حدثنا إمام المسجد ذات يوم أن من تنتقل أحلامهم من عالم خيال المشاهدات الليلية إلى واقع نهاري يكونون بالضرورة من أصحاب الأرواح الشفافة، وذلك ما يدعوني للاطمئنان دائما _ هذا في حال إيماني بالرؤى والأحلام _ فأنا روحي كثيفة، أثقل من جلباب شتوي، ولم تكن يوما خفيفة مثل "شيفون" سهرة !!
بيد أني وللمرة الأولى في حياتي، أخذ الحلم الذي رأيته قبل أيام على محمل الجد، فقد بدى حقيقيا مختلفا عن البقية من أضغاث أحلامي، فلقد رأيت زوجتي وقد صار حجمها كبيرا جدا حتى أنني كنت أصل إلى خصرها، تقف عند باب البيت مشيرة بإصبعها إلى الخارج وتقول " أنت مخلوع ... أنت مخلوع ... أنت مخلوع"، حتى أنني ومن فرط فزعي في صبيحة اليوم التالي، رحت أذرع الغرفة جيئة وذهابا في محاولة مني للفت نظرها بأني لا زلت ممشوق القوام، أفحم الشعر دونما أي خيط أبيض، نضر البشرة لا حاجة لي بإبر "البوتوكس" بعد !!
لكن نظرة سريعة إلى عيني زوجتي الساذجتين تجعليني مكذبا لهذا الحلم بالثلاثة، فلا يمكن لهذه الغبية أن تفعلها وتخلعني بالثلاثة، زوجتي التي ما إذا سمعت طرقات حذائي، تضع زينتها، وتفرش المائدة بما لذ وطاب من أصناف الأطعمة، ثم تحصي أنفاسها، ولأني رجل المنطق أجزم بعد القليل من التفكير أن هذا الحلم هو محض أضغاث، مستدلا على ذلك بكلمة مخلوع، فهذه الكلمة التي جأت على لسان زوجتي في الحلم، هي الكلمة ذاتها التي يرددها مذيعو ومذيعات قناة الجزيرة التي أتابعها بشكل يومي عندما يتحدثون عن الرئيس التونسي المخلوع " شيخ المجرمين بن علي".

لكن حلما أشد رعبا رأيته ليلة الأمس، جعلني أبارح فراشي مثل المجنون متوجها إلى الشركة المساهمة العامة التي أكون رئيسا لمجلس إدارتها، فلقد رأيت في ذلك المنام أن أحد المراسلين الذين فصلتهم بشكل تعسفي، يقف في الشارع المقابل للشركة ويصرخ بأعلى صوته باكيا " نادر هرب ... نادر هرب ... الشركة حرة ... الشركة حرة"، كما رأيت سكرتيرتي الأولى التي تعرف عدد الشامات في جسدي، وقد راحت تطمئن الموظفين أن الطاغية _ المدير السابق والذي يكون أنا_ رحل إلى الأبد، وأنها سترأس مجلس الإدارة الإنتقالي إلى أن يتم انتخاب مجلس جديد شرعي من قبل مساهمي الشركة، كما رأيت أن عصبة من الموظفين تحيط بالمراسل الذي كان في حقيقة الأمر عيني التي بينهم، وقد راح يقسم لهم أنه كان يفعل ذلك مكرها تحت التهديد، ورأيت نفسي أيضا بهيئة بائسة وثياب رثة، أطرق أبواب أصدقائي رؤساء مجالس الإدارة الآخرين باحثا عن عمل لديهم، ولكنهم لم يستجيبوا لي، بل لم يفتحوا أبوابهم مطلقا !!
ما أن وصلت إلى الشركة حتى جاء ذلك المراسل الذي خانني في الحلم وحمل الحقيبة عني، وما أن دخلت أروقة الشركة حتى توقف الموظفون تحية لي، وما أن دخلت إلى مكتبي حتى دخلت ورائي سكرتيرتي المخلصة مغلقة الباب خلفها، هذي التي رأيتها تنقلب علي وتجلس على كرسيي في المنام.
كل شيء كان طبيعيا في الشركة، زال الذعر عني، ولن أؤمن بالأحلام بعد اليوم، فهذا الحلم كان أيضا أضغاث أحلام، وعقلي الذي يسير وفق المنطق تتكشف له الحقائق بعد ساعات، فما كان الحلم إلا مجموع مشاهدات رأيتها في أيامي الأخيرة، فاستقرت في مكان ما في الذاكرة، ثم اندفعت فجأة في الحلم، فهذا الرجل الذي يصرخ " نادر هرب ... الشركة حرة" له علاقة بالرجل الذي يظهر على قناة الجزيرة بين الحين والآخر، والذي يبكي ويصرخ في في أحد شوارع تونس المظلمة " بن علي هرب ... تونس حرة" والسكرتيرة التي انقلبت علي هي "الغنوشي" نائب بن علي الذي نصب نفسه رئيسا مؤقتا لتونس بعد فرار الأخير، وأما المراسل فموقفه مشابه لبعض الفنانين التونسيين الذين اقسموا على القنوات الفضائية وبعض المواقع الإلكترونية، أنهم وقعوا على وثيقة الوفاء والولاء للرئيس " شيخ المجرمين بن علي" بالغصب والإكراه، اما رؤساء مجالس الإدراة الذين تخلوا عني، فلهم علاقة برؤساء الدول الذين رفضوا استقبال الرئيس التونسي المخلوع على أراضيهم حتى ولو "لجوء إنساني" !!

هذا الصباح قمت من النوم فزعا أكثر من أي وقت مضى، فكل ما قرأتم سابقا هو مجرد حلم، فأنا مجرد موظف أعزب بسيط، ألم أقل لكم في بداية الحلم أن أحلامي سيريالية، عشوائية إلى الحد الذي أرى أنني أحلم في الحلم، ولكن الفزع الذي يعتريني يستند إلى مشاهدات مناقضة تماما لعقائدي، فأنا نصير المرأة المطالب بحقوقها دوما، أحلم بأنني رجل متسلط على زوجة مسكينة، وأنا المشاء في المسيرات العمالية، أرى نفسي رئيس مجلس إدارة برجوازيا قذرا !! وكأن في هذا الحلم رسالة خفية أنني سأكون ظالما في أي موقع أتسيده، وطغياني سيكون على قدر حجم مملكتي، فإذا كانت مملكتي بيتا، فأنا رب أسرة متسلط، وإذا كانت شركة، فأنا رئيس مجلس إدارة ظالم، وإذا كنت مدير مدرسة فعصاي ستتراقص على أجساد الطلبة جميعهم كبيرهم وصغيرهم، وإذا كنت رئيس دولة فأنا طاغية، ولأنني كما قلت لكم سابقا رجل المنطق، أرد كل هذا الذي رأيت إلى أحداث تونس، وفي طريقي إلى العمل أفكر متعمقا بأحداث هذه الثورة، فالرئيس الذي كان اسم فاعل (خالع) يخلع كل من يقف في طريقه، صار اليوم اسم مفعول (مخلوع)، هذا الذي اعتقدت أنه مضارع مستمر إلى يوم القيامة، صار اليوم صيغة من الماضي، السائد الفاعل المرفوع غدى بائدا منصوبا،

هذه الثورة مثل أحلامي ... هي فعلا كالحلم


مشاعري مختلطة، ومهما حاولت عدم تصديقا بالأحلام، فشعوري غريب حيال زجي في حلم الإستبداد هذا ...

والآن أنا في المصعد الذي سيضعني على أعتاب الشركة التي أعمل بها، أمعن النظر بالمرآة، أدقق في ملامحي الشرقية، فتأتيني الإجابة من الصورة المنعكسة من المرآة:

لأنك شرقي ... فأنت مشروع ديكتاتور !!

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الأربعاء، 19 يناير، 2011

الأربعاء الثالث - رسالة إلى أسراب الفينيق





الطفل الذي كنته قبل عشرين عاما أو أكثر، والذي خلت أنه مات، عاد من البعيد ليستثير جنوني وطيشي وسذاجة أحلامي، فقد كان من دأبي يوم كنت ذلك الطفل أن أتقمص دور بطل الموسم، ففي موسم "بروسلي" تحطم زجاج عدد لا بأس به من سيارات الحي، كما عانى أصدقائي الأطفال من عنفي المفرط تجاههم، ولم يسلم بعضهم من بعض الرضوض والجروح السطحية، وفي موسم "سوبر مان" كسرت ذراعي اليمنى وشج رأسي أثناء أول محاولة للطيران من فوق الخزانة !!

وفي محاولات منها لكبح جنوني، قامت أمي بإتلاف أشرطة "فيديو" أبطالي أولا بأول، ولكن طيشي كان يتجدد مع كل ظهور لبطل موسمي جديد، ولو أن أمي اليوم لا زالت على قيد الحياة لألقت من النافذة التلفاز والراديو وكل الوسائل التي تتسرب منها أخبار العالم الخارجي، فتلك الوسائل هي المسؤولة عن احياء ذلك الطفل الذي عاد بصحبة عادة التقمص تلك، فانا ومن فرط متابعتي لأخبار الثورة التونسية، اجد نفسي متقمصا لشخصية "البوعزيزي" الشاب الذي أحرق نفسه ليشعل فتيل هذه الثورة، هذا الشاب الذي جعل أسطورة طائر الفينيق الإغريقية واقعا، ذلك الطائر الناري الذي كلما احترق تكون من رماده طائر آخر، فمن رماد "البوعزيزي" اشتعلت الثورة وبزغ فجر الخلاص من ليل القهر الذي طال.

لذلك ... قررت أن أحرق نفسي أمام أعين الذين ظلموني ودمروا حياتي، غدا أذهب إلى مبنى رئاسة الوزراء وأشعل النار بنفسي ومن رمادي تشتعل الثورة، ولكن ... لماذا أمام مبنى رئاسة الوزراء بالذات، لماذا لا أقوم بذلك أمام دائرة السير التي حررت مخالفة سرعة بحقي في إحد شوارع المفرق مع أنني لم أذهب في حياتي إلى مدينة المفرق قط !!

ولكن ... لماذا أمام مبنى حكومي، فهل الحكومة هي المسؤولة الوحيدة عن ضياعي، فماذا عن ذلك العجوز الذي حرمني حتى مجرد التفكير في معاودة دخول المسجد، عندما صاح بوجهي بفظاظة كي انسحب من الصف الأول في الصلاة الأولى لي في المسجد، بحجة أن ذلك الصف حكر على الكبار فقط، يومها تركت الصلاة في المسجد، بل تركت الصلاة كلها من شدة كرهي لهذا العجوز المهتريء، وماذا عن "ابو ايمن" صاحب المطعم المجاور لبيتي، والذي باعني ساندويش فلافل مقليا بزيت سيارات كدت على إثره أن أفقد حياتي، وماذا عن حبي الأول "فوزية" التي خانت عهد حبنا العذري وباعتني مع أول عريس جاءها بسياة (نمرة خليجي) !!، وماذا عن مدرب فريق الناشئين للكرة الذي أطاح بمستقبلي الرياضي عندما أعطى مركزي في قلب الهجوم لـ "أحمد" لا لمهارة يفوقني بها، إنما لكسب ود "ام احمد" الجميلة المطلقة حديثا !!، وماذا عن أستاذ الرياضيات الذي حملني المادة ظلما أكثر من مرة لأنني لم أكن ذكيا ونبيها كبقية الطلاب الذين كانوا يحضرون له أطباق (المقلوبة) و (المسخن) البيتية الصنع بشكل يومي !!، وماذا عن مديري في العمل الذي أراح زميلتينا "سوزان" من عناء صعود السلم الوطيفي، عندما وضعها على عتبة القمة بترقية فضائية ما استحقتها بمؤهلات علمية أو خبرات عملية، إنما لمؤهلات فيزيائية بارزة أنعم الله بها عليها !!، وماذا عن سائقي "التكاسي" الذين كلما رضخت لمخطات الطرق الخاصة بهم بحجة الأزمة، ولم يكتفوا بذلك بل اقسموا ساعة الحساب أن لا فكة لديهم، فمشوار النصف الدينار اصبح بدينارين !! وماذا حتى عن أبي الذي زج بي في هذه الحياة رغم بؤسها القاتم، بل ماذا عن الحياة ذاتها التي لا تحترم ضيوفها فلا تتورع عن غسلهم وكيهم وبصقهم !!،

دمي مهدور بالتساوي بين القبائل ... فأمام من أحرق نفسي !!

ولكن قريحتي تتفتق عن حل يرضي جميع الأطراف التي ضيعتني ومزقتني، أرسل رسالة لجميع ممثلي الفعاليات الرسمية والشعبية وأئمة المساجد ورؤساء التجمعات الكنائسية ورؤساء نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين وأصحاب السيارات وأصحاب البسطات وأصحاب النوادي الليلية والكازينوهات، وغرف الصناعة والتجارة ووجهاء العشائرو رؤساء هيئات حقوق الإنسان والحيوان، اكتب فيها " يا أصحاب المعالي والفخامات والسماحات والوجاهات يا من كلتم علي العذابات، هلم لتشهدوا حرق جسدي الذي من رماده ستشتعل ثورة التغير، هلموا لعرض قلما تشاهدون له مثيل في حياتكم، لا تشفقوا علي أبدا، واعلموا أن هذه النار التي بها سأحترق أرحم وأبرد من ناركم التي لطالما احرقتموني بها، وبخيالي الواسع أستحضر المشهد الرهيب، يتحلق الجميع من حولي، ثم يستلون "موبايلاتهم" من أغمدتها، يرفعونها عاليا لتصوير المشهد الذي سيتعولم ويعرض على كل مواقع "الفيديو" العالمي منها والمحلي، وقد تدلت (كروشهم) أمامهم، وساحت صبغات شعرهم وسالت على جباههم خطوط سوداء رقيقة، لا لحرارة الطقس إنما لحرارة الذنب.

ولكنني أتمهل قليلا قبل الشروع في حرق نفسي، فمن هذا الذي سيشعل الثورة من بعدي، وما هي تلك الثورة؟ ثورة من على من ما دام ضياعي موزع عليهم بالتساوي حكومة وشعبا؟، كما أنني عندما أتفرس في الوجوه التي حولي، ألاحظ أن النار أولى بهم مني، فلماذا لا أقوم بحرقهم وأهرب !!، ولكن النار خسارة بهم، فتلك النار صارت مقدسة بعدما عانقت "البوعزيزي" ورقصت معه رقصته الأخيرة "حرية".

أعدل عن الفكرة التي أصبحت (موضة) ففي كل يوم أسمع أن مواطنا عربيا قام بحرق نفسه، ثم أعود لحياتي التقليدية،
فيا من عزمتم على حرق أنفسكم على رسلكم، يا من ظننتم أنكم أسراب فينيق من رمادها سيولد التغيير، اعلموا أن هذا الطائر يأتي كل ألف عام مرة، فلا فينيق جديد من بعد "البوعزيزي"، فمهما ضاقت لا بد أن تنفرج فربكم أرحم بكم من أمهاتكم اللاتي ولدنكن، واعلموا أن ورائكم أمهات وأخوات وزوجات قلوبها هشة لا تقوى النظر إلى وجوهكم المحترقة بعدما اعتدن النظر إليها بكامل بهائها وعافيتها، فلمن تتركوهن، لمصير أعمى لا يميز بين طفل وشيخ ولا بين إمرأة ورجل، قوموا أنفسكم وثورا عليها قبل أن تثورا على غيركم والله من بعدها كفيل بالإصلاح، فأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما في أنفسهم، وللموت ألف طريق وهو قادم لا محالة، فلا تختاروا الطريق المؤدي إلى جهنم، إلى أين تغادرون، إلى قبر رطب ضيق، وكلوا أمركم إلى الله فعساكم أن صلحتم أصلحتم ...

للحرية طريق واحد ... ثورة على النفس

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الأربعاء، 12 يناير، 2011

الأربعاء الثاني - سفير لمملكة قلبي في جمهورية عقلي



صوت "أم كلثوم" المجاهر بالخوف من الحب وسيرته، يحتل فضاء بيته، بعد أن كان هذا الفضاء ساحة فسيحة لا تضيق بصوت"جوليا بطرس" الرافض للموت والمصر على البقاء، تسربت إلى قلبي الظنون، فما الذي استبدل الشجاعة المتحدية للموت بالخوف من حب خفيف يموت مع أول صرخة مولود ينام بين زوجين بائسين !!

لكن "سيرة الحب" التي يترجع صداها بين جدران بيته حملتني على الشك بأن صديقي " الثوري" في حالة حب آدمي تفضي إلى زواج فيزيائي، لكنني سرعان ما قمت بإقصاء هذه الفكرة بعيدا، فصديقي "ثوري" مختلف عن البقية الكلاسيكية، والثوار في حالة عشق دائم تؤول بهم إلى زواج غير فيزيائي من قضيتهم الكبرى، لكن الظنون تقافزت في رأسي مجددا بعد أن غادر بيته برقبة خالية من القلادة التي يتدلى منها مجسم وطنه السليب، وتذكري للكلمات التي قالها يوم أن صنعت له ذلك المجسم بيدي لا زالت طازجة في عقلي ولم تنتقل إلى رفوف أرشيف الذاكرة بعد، فقد شكرني يومها قائلا " محابس الثوار قلائد تتدلى من رقابهم وليست حلقات مستديرة كتلك التي تلف أصابع البقية العادية من الأزواج البائسين " .

سألته ما إذا كان عطب ما حل بالقلادة، لكن الجواب جاء بنفي أغرقني في بحر من التساؤلات، فما الذي يجعل قوميا "ثوريا" مثله يزاول يومه بلا محبس يرمز لارتباطه الأزلي بمحبوبته الهاجعة خلف قضبان الاحتلال، ولكنه سرعان ما قطع خيوط تساؤلاتي عندما باغتني القول بأن لكل محارب استراحة، وما كان ذلك إلا إعلانا صريجا بأن "الثوري" في حالة حب غير مجازي.

وفي كل حديث قام بعد ذلك بيننا، كان لوصف محبوبته الجميلة في الخلقة والخلق والروح المساحة الأكبر، كما تم استبدال الأحاديث عن مشاريع ما بعد تحرير الأرض بالحديث عن مشاريع ما بعد الزواج، وفي المرة التي حذرته فيها من خظر الإصابة بذبحة (لاانتمائية) في قلبه بانيا هواجسي على انخفاض مستوى الثوران في دمه بشكل مطرد، ربت على كتفي قائلا: " أنا ثوري بالغ راشد أحسن الاختيار، وأعرف أين أضع قدمي، وزوجتي القادمة ثورية مثلي وزواج ثوري من ثورية يعني أن ولي عهدهم القادم هو مخلص الأمة المنتظر كما أن ديني أحلها مثنى وثلاث ورباع" ! فما كان مني إلا أن ألوذ بالصمت أمام تلك الحجة الدامغة.

مر الزمان وانصرف كل واحد منا إلى مشاغله، ولما كنت عاكفا على صنع مجسم من الذهب لخريطة وطن عربي سقط حديثا، استحضرت موقفا مشابها بكافة تفاصيله، فقد عرضت ذاكرتي شريط الجلسة التي كنت أصوغ فيها خريطة "فلسطين" ذهبا، يومها قال الثوري متأسفا، أخشى أن أراك تصوغ خريطة "العراق" مستقبلا، فما كان مني إلا أن أتظاهر بالعبوس واقول بعد ذلك بحزن مصطنع: " لا قدر الله"، ولكنني بغفلة منه قلبت صفحة الأطلس لاستراق نظرة سريعة لمشروعي القادم "دارفور" !!

شريط الجلسة أشعل في صدري نار الاشتياق لجلسات "الثوري"، الآمر الذي حملني على الإتصال به كي أطمئن على أحواله وأرى ماذا فعل الزمان به، ولكن صوته المتحمس لم يأتي وجاء مكانه صوت آلي لإمرأة مغناج تقول " الرقم المطلوب غير مستعمل"، حزنت في بداية الأمر لأن صديقي "الثوري" غير نمرة هاتفه دونما أي تنويه أو إشعار لأعز الأصدقاء، ولكن أخبارا حملها طرف ثالث وصلتني عن "الثوري" أنه لم يغير نمرة هاتفه قط، وكل ما في الأمر أنه غير البلاد فقط !!

سكنت بالعجب هنيهات قليلة، ولكنني سرعان ما استطعت أن أقرأ تفاصيل قصة رحيل صديقي "الثوري" فوق صفحات عقلي المهزوم، دونما الحاجة إلى الطرف الثالث ليروي لي تسلسل أحداثها، فقد طار صديقي بعيدا ليبحث عن شريعة أوسع تحلل له الزواج من عدد لا محدود من النساء _ قبيلة من النساء _ فقد زوجته القضية الفلسطينة نفسها مذ عرفت أنه بلغ سن الرشد القومي، ثم ثنى بقضية الصحراء المغاربية، ثم ثلث بالصومال التي دقت بابه ذات ليل طالبة منه أن يرد عنها كيد الغراب الأشقر الذي أراد شطر جسدها إلى نصفين، إلى أن جأت تلك الفتاة "الثورية" لتكتب اسمها على الخانة الأخيرة من دفتر العائلة البائسة، ولكنه سرعان ما سرحها بعد أن أتنخت "عراق" قوميته ذات صباح نيساني، ولكن صديقي جن جنونه عندما طالبته "فلسطين" ذات ليل بهيم، أن يبتر يدها "غزة" كي تنسلخ عن صدرها "ضفة"، وكيف لا يجن وهو الذي ما اعترف يوما بمخطط دائرة أراضي الأمم المتحدة التنظيمي الذي نظمها إلى قطعتين منفصلتين (48) ، (67) وما لبث أن طلق كل قضاياه بعد أن جأته "عراق" مطالبة إياه قطع أوصالها لتكون ثلاث ( كردية – سنية – شيعية)، صديقي أراد الستر عليهن ولكنهن لم يساعدن أنفسهن، وها أنذا أيضا أرى خطيبته الفيزيائية السابقة تحاول الرجوع إليه بعد علمها بتسريحه لجميع زوجاته، ولكنه بعد صراع مرير بين العقل والقلب، يأبى الرجوع ويعزم على الرحيل دون أي شيء يربطه بتلك البقعة الصفراء من العالم، وبعد أن قرأ الخبر الصحفي عن السفير السوداني في السودان ! ! خاف أن تنتقل عدوى متلازمة الانفصال العربي إلى جسده العربي، فيضع سفيرا لمملكة قلبه في جمهورية عقله !!

رحل ... تاركا وراءه صندوق مغبر في جوفه قلادات كانت تربطه بقضايا كانت كبرى ذات يوم ولكنها تقزمت، وذبلة خطوبة كانت تربطه بفتاة كادت أن تشعل حرب أهلية في جسده بين أنصار قلبه الذين يعشقونها وأنصار عقله الرافضين لها خشية أن تربطه بالمكان،
رحل ليغير الوجوه بل المشهد البائس برمته ...
أنا أيضا أشتم رائحة شواء الفتنة التي تزود بحطب الطائفية والقبلية والجهوية، ولكنني محكوم بالأمل، وعندما يأزف الغروب وتتلون الدنيا بلون الشمس الأحمر ساعة الغروب، فذلك لا يعني أن تلك الشمس يئست منا و رحلت عن سماءنا للأبد، فوفقا لرؤيتي فأنا أتخيلها تأوي إلى مخدعها خلف الجبل بعد يوم طويل قضته في العمل على إضاءة نهارنا، كما أن الصعاليك أمثالي ينظرون للانفصال من منظور مختلف حسبما يقتضي التقاؤل، فالانفصال فرصة لي لصناعة المزيد من الخرائط، بل هو سوق وظائف جديد للجميع، لكتاب الشعر العامي الركيك حتى يدبجوا القصائد للدول المستقلة حديثا، وللموسيقين الذين سيلحنون هذه القصائد، وللمهندسين الفاشلين الذين سيدشنوا أبراجا لا يسكنها أحد حتى يكيدو بها جيرانهم وللأطباء وللمزارعين و ... و،

الفرص قادمة، فأي مجموعة من البشر تقطن فوق هذه الأراضي العربية سترفع علم الإستقلال حتى لو كانوا (حارة)، وسيصل عدد دولنا العربية إلى ألف أو ما يزيد
أسف ... ولكنني محكوم بالأمل

أنا حزين على صديقي "الثوري" الذي انهزم سريعا، ولا أؤيد ما فعل، ولكنني كلما ألقيت برأسي على وسادتي ليلا صرت أردد لا إراديا


سلام عليكم أهلنا في المهجر، أنتم السابقون ونحن اللاحقون بإذن الله ...
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/

الأربعاء، 5 يناير، 2011

الأربعاء الأول - مشتاق


أنه صباح الأربعاء ... اليوم الخامس من العام 2011، ليلة الأمس اتخذت قرارا بتأجيل الحمام السنوي ... عفوا ... الحمام الشهري ... أقصد الأسبوعي،

السبب في التأجيل هو (البلاغ الكاذب) ... أقصد ... نشرة الأحوال الجوية المضللة التي تداولتها وسائل الإع – لام، حيث أنهم قاموا بوعدنا بزخات متفرقة من المطر،

أكره الإستحمام ثم الخروج تحت المطر، لطالما أصابني ذلك بالتهابات حادة في الجيوب الأنفية،

استيقظت باكرا، وأول ما قمت بفعله هو إلقاء نظرة خاطفة من خلال النافذة، لأتفاجاء بعدها بوالدي الجالس في الحديقة وبيده فنجان القهوة والجريدة،

الوالد يتشمس، أو ... ( بشرب قهوتو في الشمسات) !!

ولأنني لم أبيت على نية الإستحمام، تحملت الهرشة الشديدة التي أصيبت بها فروة رأسي، صحيح أنني أشعر بأن رأسي صحن فول بسبب الزيت الكثيف على الشعر لكن كلا ... وألف كلا ... لن أستحم لأنني لم أبيت على تلك النية !!

المهم أنني وبعد تناولي طعام الأفطار وشربي لكوب من (النسكافيه) ثلاثة في واحد، قمت بارتداء ملابسي وتوجهت لمنطقة وسط البلد، ومن طقوسي في فصل الشتاء أن أقوم باجتياز المسافة ما بين بيتي في جبل الحسين ومنطقة وسط البلد سيرا على الأقدام، وأثناء هذه الرحلة التي تستغرق قرابة النصف ساعة، أكون قد أخرجت كل ما غنى المطربون العرب من خزائن الأرشيف، فتارة تجدني أدندن لكاظم، وتارة لمروان خوري، وتارة أخرى ل"هيفاء وهبي" !!

ولكنني اليوم لم أدندن كثيرا، كنت أضحك كثيرا ... وأحسب أن الذين رأوني في الشارع ظنوا بأنني مجنون، ولكنهم لو عرفوا سبب الضحك لشاطروني الإبتسام، فليلة الأمس وأثناء مشاهدتي لأحد أفلام الممثل الأمريكي الشهير "نيكولاس كيج" لاحظت تشابه كبير بينه وبين دولة رئيس الوزراء "سمير الرفاعي" !!

بصراحة فكرت كثيرا قبل كتابتي لهذا الإدراج، فأنا مسكون بالرعب حالي حالكم، وأخشى أن أرسل خلف الشمس، لكن "نيكولاس كيج" وسيم جدا وتشبيهي لدولة الرئيس به يعني أن دولة الرئيس وسيم أيضا، وأكيد أنكم لا تختلفون معي في ذلك، وقد وصل إلى مسامعي مرارا بأن نساء عمان الغربية مغرمات به، وأنا بدوري أتمنى أن يغرم الشعب الأردني بكافة شرائحه وأطيافه به،

ولكن حتى لو قاموا بأخذي، فكل ما سيحصل هو أن دولة الرئيس سيجلس مقابلي ويقول : "شو هو أنا وأنتة كنا بصف واحد حتى تمزح معي" ثم سيتبع ذلك بـ (كفين صغار) و (فلقة) على الأقدام وممكن (شلوط) على الباب، وأنا بدوري سأحسب (الكفين) كتمسيدة أب حاني على خد والده ( يعني بدلعني)، وسأحسب الفلقة زغزغة على الأقدام كتلك التي يزغزغ بها الكبار أقدام أطفالهم بهدف الملاعبة والمداعبة، أما بخصوص(الشلوط)فسأحسب أنه لعملية تسريع الخروج من الدائرة، فنحن في زمن السرعة !!

سأهتف على باب الدائرة، الله يخليلنا ياكم سيدي _ طبعا سيكون هذا وأنا أتأبط حذائي لتعذر إرتدائه بعد (الفلقة)


المهم أنني لا حظت اليوم بأن الطقس بارد جدا، وأصابعي الفارغة يكاد يتجمد الدم الساري فيها، ولكنه مع الأسف صباح بارد بلا مطر،

أحب المطر رغم أنه يعرقل إستحمامي السنوي، ألا أنني أحبه، وقد افتقدته كثيرا هذا الصباح، فقد بت ضاربا موعدا مع حبيباته الصغيرة،

هذا الشتاء باردا ولكنه جاف، وأسأل الله الفرج، فحال البرد دون الشتاء كحال عجوز هرم يعاني من حب الشباب، أي أنه لا يملك من الشباب إلا الحب

أو كصحن فول من دون زيت

ولكن السبب الحقيقي لهذا الإدراج أنني أفتقد حبيبات المطر، فأردت أن استبدلها بكم حتى تمطروني بتعليقاتكم فقد اشتقت إليكم كثيرا ...


ملاحظة: الصورة الأولى اعلاه أخذت قبل موعد استحمام 2008 بعشرين دقيقة، والصورة الثانية بعد استحمام 2009 بساعة، اعتقد الفرق وضح ما بين قبل وبعد!!
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/