الأربعاء، 29 يونيو، 2011

الأسبوع السادس والعشرون - قد أسمعت لو ناديت حيا !!



الضيق فسحة، ما دام في البيت إمرأة مدبرة تتكيف ومناخ جيب الزوج الصحراوي الجاف، تلملم خيوط الأزمات وتجدلها لتصبح فتيلا يضيء فضاء المستقبل، هذا ما كان يردده جاري الطاعن في السن والتجربة، ثم كان يستطرد قائلا : "لا زلت أذكر كيف كنت في طفولتي أمضي عاما كاملا بفصوله الأربعة في انتظار نمو قدمي حتى تملأ حذائي الواسع؛ فأمي المدبرة بامتياز كانت تتخيره واسعا حتى يدوم فترة أطول، كانت تضغط على مقدمة الحذاء، فإذا كانت مسافة الفراغ بقدر بوصة كاملة، تمت الصفقة وكان الحذاء من نصيبي، فقد كانت تقول أن أقدام الأطفال تنمو في الطريق بين دكان الأحذية والبيت" !!



أحيانا كان يساورني الشك في مصداقية الحديث، تحديدا عندما يهرش رأسه الأملس، ويكثر من الصلاة على النبي، فيكون ذلك مثل المساحة البيضاء بين فقرتين، فما الذي يدعو رجلا متين الذاكرة إلى التوقف عن السرد إلا محاولات منه لاستذكار الفقرة الأولى من الحديث حتى يؤلف فقرة ثانية مترابطة مع سابقتها، كما أن غياب الشهود – إذ مات أبناء جيله – يعزز شكي، بيد أني سرعان ما كنت أستغفر الله، وألوح بيدي من فوق رأسي مبعدا تلك الظنون المعترضة السيئة !!


اليوم ، وبعد مرور وقت طويل على هذه الجلسات التي كنت ألقي السمع فيها مثل تلميذ مثابر، وجدته يخطر على بالي، فأنا عندما تزوجت، فارقت الخصوبة جيبي وانتقلت إلى صلبي؛ فرزقني الله بأربعة توائم ملأوا علي وزوجتي فضاء بيتنا الضيق أصلا، وبعد أن خرجت سالما معافى من المرحلة الأولى في معركة التربية الطويلة (مرحلة الحليب والبامبرز)، دخلت إلى المرحلة الثانية (مرحلة المدارس) والتي وجدت نفسي فيها مضطرا لتطبيق "الرؤية الإقتصادية" لجاري العجوز، فأولية التعليم تفرض علي أن أقنن المصاريف في كل الأمور الأخرى.


زوجتي المدبرة والتي انفرجت اسارير وجهها عند سماعها للخطة، سرعان ما أدخلت البرنامج الإقتصادي الجديد حيز التنفيذ، ولأن الغزالة الماهرة تغزل بقدم واحدة، فقد كانت أحذية الأولاد أوسع بمقدار بوصتين وليس بوصة واحدة !!


نمت ملء جفني لما بالغت في الاطمئنان لهدوء الليالي، ولكن ولدي اقتلع السكينة من جوفي، عندما دفن رأسه في صدري باكيا؛ فقد أخبرني بأنه صار موضع التندر في المدرسة منذ اللحظة الأولى التي انتعل فيها ذلك الحذاء العملاق !!


لم أنم في تلك الليلة إلا لماما، وكنت ألعن جاري العجوز الذي أرادني خانعا مثله، فعلى الإنسان أن يتعلم السباحة حتى يخرج من الوحل، لا أن يستلذ الغوص فيه، وفي غفواتي القصيرة التي تخللت يقظتي الطويلة، رأيت كل الأحرار والثائرين : "جيفارا" بلحيته الدقيقة، "غاندي" بثيابه البيضاء والتي كنت أحسبها في طفولتي ملابس إحرام، وغيرهم الكثير ..، أشتعل الدم في عروقي، وما أن أطل النهار حتى وجدت قدمي تذهبان بي إلى الخطاط، والذي خرجت من عنده بيافطة عملاقة، أمتلأت عن آخرها بالمطالب، مطالب من مثل : عدالة إجتماعية، محاكمة الفاسدين، إعادة المال المنهوب ..، وما أثار دهشتي أن الخطاط ناولني طلبي قبل أن ألقي عليه السلام، وعندما رأى أن عيني تحولتا إلى علامتي تعجب، تبسم قائلا : " لا تتعجب، فعندما قرأت وجهك البائس، عرفت أي نوع من اليافطات تريد، واحتفاظي بعدد كبير منها مرده الطلب المتزايد عليها " وحده الخطاط المستفيد من هذا الفساد !!


استوقفني جاري العجوز فور عودتي من عند الخطاط، أخذ اليافطة من يدي، فردها في الهواء، وراح يتأمل فيها مثل خبير عتيق، ثم قال : " عليك أن تستبدلها بأخرى يكون قماشها إنجليزيا، كما يتوجب عليك أن تعدل عليها، طالب بإقالة رئيس الوزراء دون ذكر اسمه، طالب بمحاكمة الفاسدين دون ذكر أسمائهم أيضا"، بيد أني لم أحفل بما قال، فآراؤه عندي مجروحة، ولم يكن وقوفي معه إلا احتراما لتلك (الصلعة) المحفوفة بالشيب !!


وهكذا وجدتني أخرج من بيتي في كل جمعة، وفي يميني سجادة الصلاة، وفي شمالي يافطتي المطالبة بحقوقي، وما أن يسلم الإمام حتى أنطلق إلى الشارع هاتفا بمحاكمة "ناهب ابو السرقات" الذي هرب بأموالنا خارج البلاد، ومناديا بإسقاط الحكومة، حتى أنني رفعت الكلفة بيني وبين رئيس الوزراء، وصرت أنادي عليه باسمه المجرد، وفي المرات التي كانت ترمقني فيها زوجتي بنظرات الرثاء والشفقة، عندما كانت ترى وجهي الذي لوحته الشمس، وتسمع صوتي الذي جرحه الصراخ، كنت أرفع اليافطة عاليا وأقول لها : " هانت كلها جمعات معدودة، ويعود حقي، ونستبدل هذه اليافطة بمنقل للشواء، وتصبح جمعاتنا حفلات شواء !!


مرت أعوام ولم يتغير أي شيء، أختفى صوتي، وأحرقت الشموس جلدي، وهكذا وجدتني ذاهبا إلى الرجل العجوز، حتى أسلم له رأسي، فالأولاد صاروا اليوم حفاة، فرحم الله أيام الحذاء الواسع، وما كان طلبه مني بأن أستبدل قماش اليافطة بآخر أنجليزي إلا لتصمد في وجه التقلبات المناخية، لأن المسيرات سوف تطول، وتمضي عليها المواسم والفصول، وما طلب مني أن لا أكتب اسم رئيس الوزراء، إلا لعلمه بأني سأطالب برحيل كل رئيس جديد، فالكراسي تجلس على كراسي ليذهب الظالم ويأتي القاسي، لكنني عندما اقتربت من الكرسي الذي اعتدت أن أراه _ أي جاري العجوز _ يجلس عليه، وجدته فارغا


مات العجوز ولم يمت الفساد !!


جلست مكانه ... وكلما رأيت شابا يركب قطار الإصلاح، أنزلته عنوة وأركبته الطائرة !!

www.osbo3yatjaber.blogspot.com

السبت، 25 يونيو، 2011

مذكرات أنثى

يوم الأربعاء ليلا، كتبت مقالا قصيرا نتيجة تذكري لحادثة واقعية حصلت أمام عيني، كنت أنوي بأن أجعله إدراج الأربعاء القادم، ولكني أرسلته لجريدة الغد، فقامت الجريدة مشكورة بنشره، ولأن قانون المطبوعات والنشر يحظر إعادة نشر أي مقال موجود على صفحات الجريدة، فقد أحببت أن تشاركوني بها من على صفحات الجريدة
المقال بعنوان مذكرات أنثى على الرابط التالي
http://www.alghad.com/index.php/article/482428.html

الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

الأسبوع الخامس والعشرون - احقنه يا وطني




من على قمة جبل قاسيون الأشم المطل على مدينة دمشق، كانت أمي ترقب غروب الشمس الساحر،

وقتئذ ...
كنت طفلا لم يوقد من الشموع أكثر من عشرة، كانت نظراتي واسئلتي خير نبؤة على غباء سيزدان به مستقبلي
دنوت منها، سألتها : لماذا تختبيء الشمس خلف الجبال؟
تبسمت لي فقالت: الشمس في الشرق مثل النساء، تخجل إن حدق الناس فبها كثيرا...
سألتها: أتخجل الشمس منك يا أمي، أوتخجل النساء من النساء؟
زادت بسمة أمي اتساعا وقالت: لست وحدي من يراقب غروبها، أنظر هنالك الكثير من الرجال...
إجابة مقنعة كانت كفيلة لتوقف طفل غبي عن ترديد الأسئلة.
وبعد ثلاثة أعوام...
كانت أمي تقف الوقفة ذاتها، ولكن على أحد شواطيء العاصمة اليونانية "اثينا"...
دنوت منها: سألتها: لماذا تسقط الشمس هنا في البحر؟ لماذا لا تختبيء خلف الجبال مثلما كانت تفعل هناك في دمشق، ثم تشرق من جديد فور مغادرة الرجال، أهي خجلة هنا حد الأنتحار غرقا؟؟


أطرقت أمي هنيهة، ثم قالت: الشمس في أوروبا منعتقة ومتحررة، لا تخجل، لا تغرق، أنها الأن ترتدي ملابس السباحة، وتمارس الغوص، غدا صباحا ستتمخطر في السماء غير أبهة لنظرات الرجال...


أعجبتني شمسهم الجريئة التي تتقن السباحة عكس شمسنا الشرقية التي لا تتقن من الفنون إلا فن الأختباء!!




كبرت، وعلمت أن للناس شمس واحدة، وأن شمس أوروبا هي شمس الوطن العربي ذاتها، ووجدتني مأخوذا بسحر الغروب حتى صار لي من الشموع ثلاثين.


ولا زالت الشمس تغرب في الميعاد نفسه، الصورة لا زالت واحدة في عيني، ولكن المعنى أضحى مختلف، فأنا أشعر مع كل غروب أن الشمس تسقطت في قلبي، لتزيده حرقة على أيامي التي تمضي، وأنا إلى الخلف أمضي، فعند كل مغيب ...


ورقة من أوراق عمري تسقط،


عند كل مغيب ...


طعنة أخرى تستقر في صدري،


عند كل مغيب ...


لهب آخر من الشمس يحرق قلبي المحترق أصلا، أشعر أنني كنت مخدرا لثلاثة عقود، وها أنذا... أستفيق لأشاهد الدمار من حولي.


دماري زجاجي، واذا كسر الزجاج عبثا تحاول إصلاحه، لذلك قررت أن أهجر الوطن العربي الكبير بالمساحات، الضيق على الأبناء.


ولأن الدروب أمامي كلها مسدودة ...


سأستعمل الخطة (ج)، الزواج من "ختيارة" أوروبية أو أمريكية " أمورة" تسحبني إلى بلاد المال والأحلام، لن أكترث إذا عجزت الآلة الحاسبة عن عد أيام عمرها، لن أرتعب من أسنانها الصفراء التي تساقط الكثير منها إذا هي ضحكت أمامي، سأقنع نفسي أن لأسنانها جمال من نوع خاص كجمال أعمدة مدينة جرش الصفراء العريقة، تلك الشواهد التاريخية المرصوفة في تلك المدينة هنا وهناك، لذلك ... سأتذكر الحربين العالميتين الأولى والثانية، كلما نظرت إلى أسنانها، سأتزوج التاريخ، لن أبالي إذا أصبت بـ"دسك" حاد إذا حاولت حملها ليلة الزفاف، فـ "دسك" الظهر أهون علي من "دسك" القلب، لن أبالي إن هي فضلت نزهة برفقة الكلب عن نزهة معي، سأكون أنسان حضاري منفتح على الثقافة الغربية الشغوفة بعشق الكلاب، ثم أن الخلافات تصير في أحسن العائلات!!


لن أكترث إلى نظرات الناس عندما يشاهدونني وأنا أسحب الكرسي لفتاتي الختيارة في منهى "الجنتلمانية"، لن ألقي بالا لأحدهم عندما يقول على مسامعي( يا ماخد القرد على ماله بروح المال وبضل القرد على حاله)، فقد فات القائل بأن المال إن ذهب، فأن الجنسيات في أوروبا لا تسحب، ولا أذكر أنني سمعت أن مواطنا أوروبيا أو أمريكي استيقظ صباحا فوجد نفسه "غير مواطن"!!


لن أكترث لأنني الوحيد من بين اصدقائي الذي لم يقام له حفل زفاف مهيب، فأكثر النساء التي كانت تتمنى أن ترقص يوم زفافي، رحلت منذ سنوات ستة، وصديقي الذي كان يقسم بأن يملاء السماء رصاصا يوم عرسي، هرب إلى أوروبا على متن شاحنة "خردة"، وصديقي الذي وعدني بأن أزف من على ظهر سيارته المكشوفة السقف أفلس وغدا خيال "السرفيس" بعد أن كان خيال " البورش"، فهل أصعد على أكتاف والدي ليركض بي ويزفني في شوارع عمان!!


الآن يتوجب علي بأن أكون على أهبة الإستعداد لزفاف فجائي وطاريء، فقد ألتقي بفتاتي المسنة ( اللي ما الهاش سنان اصلا) عند مطعم هاشم وسط البلد، أو في جبري، أو في مطعم القدس، وأعتقد أن لدي من المواهب ما يكفي لإسعاد فتاتي العجوز، فأنا أكتب، أنظم الشعر، صوتي جميل، أعزف على الجيتار والأورغ، ومع أنني أشعر أن صوت الربابة مثل صرير الباب الصديء، إلا أنني تعلمتها أيضا، فقد تطرب أذن ختيارتي إلى صوت الربابة القادم من صحراء الجميد والمخيض والشنينة،


إذن لم يتبقى إلأ أمر واحدا...


أنا بحاجة إلى تعزيز رجولتي قليلا، وبناء على ذلك، يتوجب علي الالتحاق بأحد مراكز بناء الأجسام، لأصبح مفتول العقل والعضلات معا، أنا بحاجة إلى صدر عامر بالعضلات كي يكون خير جدار استنادي لفتاتي الكهلة إن أرادت البكاء يوما عليه، سألتزم بتعليمات المدرب، سأكل اللحوم والدواجن والأسماك والتي تسرع من نمو العضلات، سأرفع الجرعات التدريبية لأجعلها جرعتين في اليوم الواحد، أعلم أن ذلك سيكلفني أربع أو خمس شهور من التدريب المتواصل، لكن لا يهم، فعلى الرجل أن يجتهد إذا أراد أن يعزز من رجولته، عكس المرأة التي إن أرادت تعزيز أنوثتها، فلا عليها إلا الذهاب إلى لبنان لأخذ أربع جرعات فقط من "السيليكون" كما فعلت الموناليزا في الصورة فوق ( الصورة قبل التجميل في أمريكا وبعدها).




ضاق صدر الوطن العربي الكبير على أبنائه حتى اصطفوا وتكدسوا على أبواب السفارات الغربية أملا في الحصول على حياة، فلماذا يا وطننا العربي لا تحقن صدرك أنت الآخر بـ"السيليكون" مثلما فعلت الموناليزا ومثلها فعلن العديد من بناتك الفنانات، أحقن صدرك يا وطني عله يتسع لنا، فنعيش في كنفك، ونموت على ترابك، احقنه يا وطني عل العنوسة تختفي، فقد هرب الشباب والبنات غدون بلا عرسان


أن لم تفعل يا وطني... فأننا من على ظهرك لراحلون
---------------------------------------------------------------------------

ملاحظة : هذا الإدراج إهداء إلى إنسان أو إنسانة يحبه أو تحبه كثيرا

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/


الأربعاء، 15 يونيو، 2011

الأسبوع الرابع والعشرون - باستا - باستا




أبطال إدراجي لهذا اليوم ثلاثة، أما الأول فقد أسميته "س" خشية التورط مع (العالم) وذلك عملا بقاعدة المدونة صاحبة الظل الطويل – خفيفة الظل - "ويسبر"، أما الثاني فسأناديه باسمه الحقيقي "كيري"، ليس شجاعة مني ولكن لعلمي أن "كيري" هذا لا يتكلم ولا يقرأ العربية، فـ" كيري" رجل ألماني، أما الثالث فهو (أنا)، لذلك سأناديه باسمه الحقيقي "نادر" لإنه لم يصب بانفصام الشخصية بعد، ومن غير المعقول أن يرفع نادر والذي هو "أنا"، دعوة قدح وذم وتشهير في أروقة المحاكم ضد نادر الذي هو أيضا "أنا"!!


عن "س"

أول طقوسي اليومية هو شرب كأس من الشاي بمعية سيجارة في الحديقة (صيفا شتاء)، وآخر طقوسي اليومية هو أيضا شرب سيجارة ما قبل النوم في الحديقة (صيفا شتاء)، فلا أحلى ولا أجمل من سيجارة وضوء قمر وليل ساكن،


وذات ليلة اكتمل فيها القمر ...


سمعت حوارا ساخنا قادما من بعيد يدور بين مجموعة من الشبان، حوار غريب اختلطت فيه الشتائم، بالنظريات العلمية، بالتاريخ، بالجغرافيا، بالرياضة، كل ذلك كان في جملة لم تتجاوز مدتها الدقيقة الواحدة!!، خمنت أنهم ثلاثة شبان من جيل واحد، فنبرة أصواتهم كانت متشابهة، لم ألقي بالا لما أسمع وعدت إلى سيجارتي، ولكن صدمتي كانت كبيرة عندما رأيت ظلا واحدا مرتعشا يقترب في الظلام وتتضح معالمه أكثر فأكثر!!، كل هذا الضجيج كان مصدره حنجرة واحدة إذن !!


يا إلهي الرحيم ... يا إلهي الرحيم


إنه هو ... إنه هو ... ، أنه "س" الذي درس معي في المدرسة نفسها، إنه "س" الذي تقاسم معي المقعد الدراسي ذاته في إحدى السنين، ماالذي وصل به إلى هذه المرحلة المتقدمة من (اللسعان)، أنه يكلم نفسه ويصرخ لوحده، الرجل (لسع) واللسع هو أول مرحلة من الجنون، فالجنون يتكون من ثلاثة مراحل، جنون إبتدائي وتظهر فيه على المريض أعراض من مثل التكلم مع النفس وهذا ما يعرف بـ(اللسع)، جنون ثانوي وهو ما يعرف بـ(التنسيم)، وتظهر أعراض على المريض من مثل توزيع الإبتسامات هنا وهناك، حيث يخيل للمريض أنه يتمدد على أحد شواطيء جزيرة "هاواي" وهو فعليا يكون موجود في "سقف السيل"، أما المرحلة النهائية من الجنون فتلك ما تعرف بمرحلة (الرندلة) ويصبح فيها المريض (مرندل) نهائيا، يسب هذا، ويشتم ذاك، وييتبسم في وجه هذه، ويصرخ في وجه تلك، ولكن مالذي جعل "س" يصل إلى هذه المرحلة من (اللسعان)؟ "س" هذا كان شجاعا جدا ومرهوب الجانب، في كل مشاجرة كنت أستعين به، "س" هذا كان عدواني وخصومته دامية، حتى أن صيته تجاوز حدود المحلية إلى فضاء العالمية، في كل مشاجرة كنت تجد "س" حتى لو كانت في الصين،"س" دائما كان يردد علي ى مسامعي جملته الشهيرة _"خرمان على طوشة يا أبو الندر"، ثم يتبعها بتنهيدة طويلة "اييييييييييييييييييييييه" ثم شفطة سيجارة عميقة، اختفى "س" في الظلام مرة أخرى، ولكن لم تختفي أفكاري طوال الليل، كنت أتسأل طوال الليل عن الأمر الذي أوصل "س" إلى تلك الحالة التي تستحق الرثاء؟


وبعد أسبوع ... ، ألتقيت "س" وقد كان ماشيا برفقة زوجته التي لم أراها من قبل، كان "س" يحمل (البيبي) وزوجة "س" تحمل مفاتيح السيارة، توقفنا، تحادثنا، كان "س" طبيعي جدا ولكن أكثر أدبا وتعقلا عما كان عليه أيام الدراسة، يبدو أن زوجة "س" (ضبعته) فقد كانت ذات شخصية قوية جدا، (ضبعتني) أنا و "س" سويا، كانت من (الكواسر)!!


يالله "س" قاهر الرجال، قهرته إمرأة !!


كانت أمه دائما تقول: "الله يعين اللي بدها تاخدك"


وعلى ما يبدو أن الله استجاب دعوات "الحجة" وأعان زوجة (س) كثيرا كثيرا ...


عدت إلى منزلي، وعرفت سر "س"، لقد كان في تلك الليلة التي رأيته فيها يتحدث مع نفسه في حالة تفريغ، إذن "س" ليس مجنون رسمي، ولكنه يعاني من (لسعان) خفيف بسبب زوجته قوية الشخصية، ناهيك عن مسؤولية ذلك (البيبي)، وجنون متوالية إرتفاع الأسعار، وضيق العيش، وقصر ذات اليد، ولكنه كان قد بالغ في تلك الليلة في الاطمئنان لعتمة الليل وسكونة، لم يكن يعلم أن (لاسعا) آخرا كان يشرب سيجارته خلف سور حديقة منزله في ذلك الوقت المتآخر من الليل!!


والأن نترك (س) قليلا ونذهب للبطل الثاني


عن " كيري"


على الرغم من أن مقاهي "الأنترنت" القريبة من مكان سكني من فئة الخمس نجوم، إلا أن ذلك لا يمنعني من ممارسة هوايتي في "الشبك" من "إنترنت" أثري في منطقة وسط البلد، وعلى ما يبدو أن هذه الهواية لم تأتي من فراغ، هي وليدة (عقدة) حلم لم يتحقق، حلم السفر والتطواف في بلاد الله الواسعة، فهذا المقهى غالب من يؤمه هم السياح، وبعض المواطنين أمثالي، ولا يخلو الأمر من بعض (الديوانجية) العابرين، هنا في هذا المقهى يخيل إليك أنك في "سيدني" إذا جلس رجل "أسترالي" إلى جانبك، هنا في هذا المقهى يخيل إليك أنك في "طوكيو" إذا جلست فتاة "يابانية" إلى جانبك، ولن أقول أنني بهذا أكون قد قزمت حلم التطواف والتجوال حول العالم ألى مجرد الإكتفاء بالجلوس في هذا المقهى الذي يجيئه الناس من كل أنحاء العالم، بل أقول أنني بهذا أكون نجحت في اجتراح (لهاية) أضعها في فم ذلك الحلم كلما جاع وبكى، فنحن العرب خير من أتفن فنون علم التسكيت بـ(اللهايات)، فالمسؤول الذي يطمئن المواطن (الطفران) أن الإستثمارات والخير قادم في الطريق إلينا، هو مجرد (لهاية)، صحن (الفول) الذي أقنعنا أنفسنا أنه يضاهي اللحوم في الفائدة والمذاق هو مجرد (لهاية) لمعدتنا كلما ألحت علينا وطالبتنا باللحوم التي وصلت أسعارها إلى أرقام فلكية، نحن مثل أم فقيرة جف حليبها، كلما بكى رضيعها قذفت في فمه (اللهاية)، فيا لهذه (اللهاية) اللعينة!!


وذات عصر ... دخل إلى المقهى رجل ستيني أشقر يرتدي "شورت" أحمر و "شباح" أصفر!!، جلس الرجل خلف أحد الأجهزة، كل شيء كان طبيعيا في البداية، هدوء يتخلله بعض العطسات، وبعض (تكتكات) صادرة عن "الكيبوردات والماوسات"، إلى أن قطعت صرخة أطلقها هذا الرجل الهدوء، صرخة شبيهة بصرخة رجل تلقى رمح في قلبه، نظرنا جميعا إلى الرجل، ولكنه لم يلتفت إلى أي أحد منا، ثم تابع الطباعة وكأن شيئا لم يكن!!، وما أن مضت ربع ساعة حتى قام الرجل من مقعده وهم بالصراخ عاليا بلغة يبدو أنها ألمانية، لم نكن لنفهم شيئا مما يردد إلا آخر كلمتان باستا ... باستا!! تارة يذهب إلى اليمين، وتارة يذهب إلى الشمال، وكأنه يلعب دور رجلين في واحد، تعلقت أبصار الجميع به، بلغت القلوب الحناجر، أما أنا فتوجهت إلى الله أن يبتعد عني ولا يؤذيني، فأنا صاحب تاريخ عريق في مثل هكذا أمور، ولا زلت أذكر تلك الحادثة التي حصلت في صباي، حادثة الرجل المجنون الذي ترك الشارع المكتظ بالمارة كلهم وراح يلحقني بسرعة ألف (كيلومتر في الساعة)، ثم أن (الكوميديا) تلاحقني أينما حللت ورحلت، خيل إلي أنه سيقوم بتكسير أحد (الهارد ديسكات) على رأسي، ولكن الحمد لله مر الموضوع بسلام، وبعد الزيارات المتكررة التي قام بها الرجل للمقهى، اعتدنا عليه جميعا، وصنفناه ضمن (المرندلين) المسالمين، ولكنه بقي مصدر رعب للقادمين الجدد إلى المقهى، آخر ضحاياه كانت فتاة "يابانية" جلست بكل هدوء وطمأنينة، ثم أخرجت زجاجة المياه المعدنية من حقيبة سفرها، ثم ضبطت ساعتها مثلما يفعل جميع اليابانيون، ولكنها ما لبثت أن جلست حتى لملمت أشياءها وهربت بسبب صرخة شبيهة بصرخة الضبع أطلقها ذلك الرجل، وبعد التقصي والتحقيق عن ذلك الرجل، اتضح لنا أنه كاتب قصص قصيرة، ألماني الجنسية، يعيش هنا منذ سنة، وذلك ليثري تجربته الحياتية، والتي بدورها ستعود عليه بالإيجاب في مجال القصة القصيرة، واتضح أن اسم ذلك الرجل هو "كيري"، وأنه يتقاضى شيك قيمته (2000) يورو من المجلة التي يرسل إليها قصصه القصيرة، وصراخه وتصرفاته الغريبة كانت ناتجة عن توحده مع أشخاص قصته أثناء التأليف والطباعة.


ملاحظة: أنه يجلس إلى جانبي الآن ويطلق صرخات شبيهة بعواء الذئب، يبدو أن قصة اليوم تتحدث عن صراع ضاري بين حيوانات الغابة!!


والآن لنترك "كيري" ولنجري مقارنة بسيطة بين "كيري" وبين "س"


لو أن "س" لاقدر الله جن، فما الذي سيحدث له، سيفعل مثل بقية المجانين في الوطن العربي، سيرتدي (بالطو) أسود (أبو فروة) صيفا شتاء، وسيعتمر طاقية صوفية سوداء صيفا شتاء أيضا، ناهيك عن لحيته التي ستطول وتطول، وسيلحقه الأطفال ليقذفوه بالحجارة، سيطلقون عليه الألقاب، سيجعلوه حقلا لتجاربهم، ففي الوطن العربي الذي يضرب فيه الأطباء والمعلمون، ماذا سيكون مصير أي مجنون؟ أما "كيري" القادم من الغرب فثمرة جنونه كانت عملة صعبة وتسكع وتجوال في شتى أرجاء الأرض!!


المجانين في الشرق تقذف بالحجارة، والمجانين في الغرب تقذف بالعملة الصعبة!!


تنرك "س" و"كيري" ونذهب إلى البطل الثالث


عن "نادر"


فقدت طعم الحياة منذ زمن بعيد، أصبحت أعيشها بلا وجهة محددة ولا هدف، صرت بعد أن كنت أملاء البيت حيوية ونشاطا قطعة أثاث صامتة، حتى مشاجراتي المستمرة مع شقيقتي على "الريموت" صارت ذكرى، حتى أنها بالأمس عبرت عن ضجرها بسبب قلة المشاجرات، قالت لي: ( حركلنا السوق شوي، زمان ما تهاوشنا)!!


قد أتزوج في يوم من الأيام فالزواج شر لا بد منه، أكيد يومها سأصبح أرنبا مسالما، فصديقي (س)، الذي كان يحسب له ألف حساب أضحى رجلا مطيعا، وكل أصدقائي الذين تزوجوا من قبله مشوا على خطاه!! حتى أنني كنت أجلس بالأمس برفقة صديق عزيز، وما أن تلقى هذا الصديق رسالة من (حماتو) وليس من زوجته حتى رد فورا عليها خشية أن يحل عليه غضبها، تضرع إلى الله أن تصل الرسالة بأسرع وقت ممكن، خيل لي أنه كان يود حمل الرسالة والذهاب إلى حماته في حالة عدم وصولها، وما أن جاءه التقرير الذي يبلغ بوصول الرسالة حتى تنفس الصعداء وحمد الله!!


جيل اليوم تغير، فجيل أمي وأمكم البسيطات اللواتي كن يتقن من الحوار القبول أو الحرد قد ولى، وجيل بنات اليوم يتقن من الحوار الرفض أو (الشحاطة)، وبعد المشاورات مع نفسي خرجت بالخلاصة التالية:


أنا مثل أي مواطن عربي يواجه الغلاء، ويعيش في الإحباط، وفي حال تم الزواج فسأكون مثل بقية من سبقوني من الأصدقاء (أرنب) بامتياز، أي أن الأسباب التي ذهبت بعقل "س" موجودة، ثم أنني أكتب قصص عن "جبر"، وقد يأتي علي يوم أجد نفسي فيه متوحدا مع أشخاص القصة مثلما يفعل "كيري"


وبذلك أكون جمعت كل أسباب الجنون التي أودت بعقل الرجلين، فإذا شاهدتم في إحدى إدراجاتي كلمة باستا ... باستا، فهذا مؤشر للجنون، فما عليكم يومها إلا أن ترسلوا للمدون " أشرف محي الدين" صاحب مدونة أفكار وتساؤلات، فهو الوحيد الذي يعرفني شخصيا ويعرف عنواني، وذلك لعمل لمة شهرية خشية أن أدور في الشوارع وأقذف بالحجارة.


وإلى اللقاء في الأربعاء القادم ان شاء الله، وسلامة عقلكم، باستا ... باستا!!

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/





الخميس، 9 يونيو، 2011

الأسبوع الثالث والعشرون - خدعوك فقالوا


بعد أن تعدت الخلافات مستوى الأفراد وصارت على مستوى دول، قررت الدول العظمى إنشاء مخفر أممي على شاكلة المخافر المحلية الصغيرة، والتي يدخل إليها الفرد منا ديكا ويخرج منها دجاجة، ولكن غير بياضة!!

ثم قامت تلك الدول ولإغراض (برستيجية) بتسمية هذا المخفر " هيئة الأمم المتحدة" وفي هذا المخفر الكبير يمكنك تقديم شكوى ضد دولة ما، ويمكن لدولة تقديم شكوى ضد فرد من دولة أخرى، ويمكن لدولة تقديم شكوى ضد دولة أخرى، أما إذا أراد "خليل" أن يقدم شكوى ضد "منصور" لأن الأول قام بقذف الثاني (بتنكة) سمنة فارغة، فما عليه إلا الذهاب لأقرب مركز أمني محلي، وهناك ستأخذ العدالة مجراها وتقوم بحبس المشتكى عليه والمشتكي معا في زنزانة واحدة!!

ولو تقرر ذات يوم نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى عمان، فأنا أول من سيقوم بتقديم شكوى ضد دولة كبرى ...

سأقوم بتقديم شكوى ضد "اليابان"!!

سأرفع قضية ضد اليابان لأنها كانت السبب المباشر بإفساد أخلاقي بتلك المسلسلات الكرتونية التي قامت بعرضها أثناء فترة طفولتي من مثل ( غرندايزر، سندباد، ساسوكي، ريمي، بيبيرو)، والتي صورت لنا أن الحياة نزهة جميلة وإن تخللتها بعض المتاعب، وأن المرء مهما أحاطت به الشرور فلا بد للخير أن ينتصر في النهاية.


وقد أثبتت الدراسات أن شخصية الفرد تبدأ في التكوين في سن الخامسة أو السادسة، (يعني في عز فترة مسلسلات الكرتون)، سأطالبهم بإرجاعي مرة أخرى إلى زمن الطفولة، شريطة تغير كل النهايات، مثلا سأ طالبهم بجعل نهاية "ياسمينة" تلك العصفورة التي كانت ترافق "سندباد" طوال فترات المسلسل- سأطالبهم بجعل نهايتها نهاية واقعية- كأن تسقط صريعة حجر (نقيفة) على يد ولد مشاكس، لا أن تتحول من عصفورة إلى أميرة مثلما كذب علينا اليابانيون في نهاية المسلسل، سأطالبهم بجعل نهاية "دايسكي" بطل مسلسل "غرندايزر" - سأطالبهم بجعل نهايته نهاية واقعية جدا - كأن يموت ضحية رصاصة طائشة في عرس، لا أن يعود هو وأخته "ماريا" إلى كوكب "فليد" بعد أن تمكنوا من القضاء على الشرير الأكبر "فيغا"، أو سأطالب بجعل نهاية "مارك" حبيب "ساندي بل" على يد شقيقها، وذلك عندما قام بطعنه ست طعنات بواسطة موس "سبع طقات" عندما رأه يتسكع في شارع الوكالات برفقة أخته "ساندي" (مفرعة بدون حجاب)، أو ممكن أن أقترح عليهم جعل النهاية أقل مأساوية، كأن يترك "مارك" رسالة لـ"ساندي" يقول فيها: ( أوعي تفرجيني خلقتك يا وجه الفقر، أنا رايح أبرطع بمصاري كيتي وأمشكح بسيارتها الحمرا الكشف)، وهذا سيريح "مارك" من أهل "ساندي" وأخيها (الدواوين)، فأهل "كيتي" (كووول)، ولكنني سأكون أكثر تسامحا مع قدر "ساسوكي" عندما سأطالبهم بجعله ينهى حروب (النينجا)، ويحصل على تقاعد مبكر ومكافأة نهاية خدمة والتي سيستثمرها بتنزيل (تكسي) أصفر لـ (يطقطق) عليه في شوارع عمان.

ولكن أتدرون ...

سأخسر القضية بكل تأكيد، عندما سيقوم محامي الدفاع الياباني " يوكو ماتي رابح قضاياتو" بالترافع، سيقدم ألف دليل على أن مسلسلاتهم الكرتونية كانت تحاكي الواقع الأنساني بأسره (باستثناء العربي طبعا)، وأن العرب هم من قاموا بشراء ودبلجة هذه المسلسلات إلى لغتهم بسبب افتقادهم لأي إنتاج كرتوني عربي، إلا أن هذه القضية لن تتسبب بأي أزمة بين اليابان وبين العالم العربي، فاليابانيون شعب ودود جدا، وعلى العكس تماما، سيقومون بمد يد العون لنا، وسيرسلوا إلينا لجنة لتدرس مراحل حياة الإنسان العربي منذ الطفولة وحتى الممات، ومن المؤكد أنهم سيقومون بإنتاج مسلسل كرتوني عربي يكون بمثابة محاكاة لواقع الإنسان العربي
أعتقد بأنهم سيسمون بطل المسلسل (عطا)، لأن المواطن العربي هو الوحيد الذي يعطي ولا يأخذ، يدفع الضرائب ويدفع (الخاوة) ولا يحصل على أدنى حقوقه الإنسانية كتأمين صحي أو راتب شيخوخة، سيستعينوا بالممثل المصري "محمود ياسين" وذلك بسبب صوته الإذاعي ليحكي لنا المقدمة والتي ستكون كالتالي:

الرجاء قرأة هذا النص بصوت "محمود ياسين" :

" في بلاد النصف مليار عطعوط، كان هناك طفل يدعى عطا، عاش عطا في حي المطافيس، وفي سن مبكرة جدا قام والد عطا بالحاق عطا بورشة حدادة ليعمل فيها بعد الدوام المدرسي، وذلك بغية جمع ثنائية المجد ( شهادة ثانوية عامة، وشهادة حدادة)، كبر عطا ولما بلغ الأربعين (عمر الحكمة) أصيب بالسكري، وبعد سنتين أصيب بالضعط، وبعد عام أصيب بتصلب الشرايين، ثم داهمته الجلطة الأولى، فالثانية، فالثالثة، ولكن عطا لم يستسلم، قاتل بضرواة عز نظيرها، وتمكن في النهاية من الموت داخل البيت" !!
( طبعا النهاية السعيدة هي أن عطا مات في بيته ولم يمت بالشارع بعد أن قام أهل الخير بعمل لمة شهرية لتغطية إيجار بيته).

وبما أن الابتلاء ملازم للإنسان العربي من المهد إلى اللحد، وليس مثل ابتلاء "ساندي بل" الذي لم يتجاوز الخمسين يوما، وهي عدد حلقات المسلسل، فسيكون العرض متواصلا في مسلسل (مغامرات عطا)!

ولكن ...

ماذا لو أن مسلسل (مغامرات عطا) رأى النور فعلا؟ ما لذي يمكن ان يحدث يا ترى؟
لا تفكروا كثيرا ...

سيخرج علينا أحدهم قائلا: "كل من يتابع هذا المسلسل كافر، فهذا المسلسل مؤامرة صهيونية أمريكية يابانية مشتركة ! هدفها غرس كره الحياة في رؤوس أطفالنا، الآمر الذي سيؤدي بهم إلى كره الحياة والعزوف عن الزواج والتكاثر"، ألا تذكرون الضجة الإفتائية التي آثارها مسلسل "البوكيمون"؟!! وما أن تسمع "أم العبد" بالفتوى حتى تصرخ بأعلى صوتها: ( الله يفتح عليك يا شيخ)، ثم تنادي على "أبو العبد" قائلة : ( يا الله يا أبو العبد شوف شغلك خلينا نجيب ولاد ونكيد العدا )!! و ( أمبلانس رايح وأمبلانس جاي على بيت أم العبد) وفي كل مرة تعود "أم العبد" بتوأم، (بالجوز)، ومع أن الهدف من وراء عملية الإنجاب الكبرى التي قامت بها "أم العبد" هو كيد الأعداء، إلا أنك عندما ستسأل أحد أولاد "أم العبد" المتناثرين هنا وهناك بين الإشارات الضوئية، وورش الحدادة، وورش (تجليس البودي)، عندما ستسأل أحدهم عن فلسطين، سيجيب مستنكرا : ( مين فلسطين، الله يبعدنا، ماليش على قصص النسوان)!!

كلنا كثرة وقلة في الفعل والبركة ..............

بالأمس حطم رأسي رقما قياسا عالميا بالطول، فقد بلغ من الطول ما لم يبلغه من قبل، الآمر الذي أضطرني للذهاب إلى الحلاق، كنت أركض في الطريق إليه بسرعة فاقت سرعة الضوء، فالحالة طارئة، وما أن وصلت هناك، حتى أجلسني على ذلك الكرسي الأسود الكبير، ثم قام بتطويق عنقي بذلك المريول الأبيض حتى كاد أن يخنقني، وللمرة الأولى بعد عمر من الحلاقة والتنعيم، اكتشف التشابه الرهيب بين تكتيك الحلاقه وتكتيك الإحتلال العسكري لمدينة ما، فالجيوش تبدأ بحصار المدينة المراد غزوها حتى تنهك قواها، ثم تبدأ عملية الهجوم، ومثل هذا يفعل الحلاقون، يقومون بتطويق عنقك بذلك المريول الأبيض ثم يبدأ المقص بالعمليات العسكرية ضد جمهورية رأسك التي يسكنها الشعر، أما أنت أيها المسكين فتكتفي بمشاهدة الضحايا وهم يتساقطون على أرض المعركة (المريول الأبيض)، والغريب أن الحلاق يمارس هذه الإبادة الجماعية بدم بارد جدا، فهو لا يتوقف عن الحديث إليك أثناء هذه العملية ولا يترك أي موضوع ثقافي، أو اجتماعي، أو رياضي، أو حتى فلسفي، إلا ويتطرق إليه، وما أن يهدأ صوت المقص معلنا نهاية العمليات العسكرية، حتى يقول لك الحلاق نعيما، ثم بمنتهى البرود يقوم بكنس الضحايا (شعر رأسك) ثم يدفنهم في مقبرة جماعية (سلة مهملات).

ولكن ... أكثر ما لفت انتباهي يوم أمس تلك الضحايا (الشعرات البيضاء) التي كانت تتساقط بمعية السكان الأصليين (الشعرات السوداء) على ذلك المريول الأبيض، لتشك علامات فارقة، من أين أتوا؟ من أين جاؤا؟ ... يا الله لقد شبت ...!!

عدت أدراجي ورأسي يضج بالتساؤلات حول موضوع الشيب المبكر، أنه أول الأوسمة، تلك الأوسمة التي يقلدها القهر للإنسان العربي من مثل (الكرش البلكون)، (الصلعة المستديرة)، (الخصر الساحل)، (الفم النظيف الذي يشبه المغارة الحمراء بفعل تساقط الأسنان)، ناهيك عن الأوسمة الغير مرئية من مثل ( كولسترول، سكري، ضغط دم، تصلب شرايين، سخام الطين)،

وفجاءة ... قررت أن أحارب تلك الشيبات البيضاء، فالظاهرة لا زالت في بداياتها، والشيب غير ظاهر بعد، سأقوم بصبغ شعري، وبهذا لن يلاحظ أصحابي سليطي الألسن أي تغير، ولكني في حال تركت الشيبات تظهر ثم صبغتها فجأءة، فسأصبح سيرتهم( وين يا رايح يا كيوي، ومن وين جاي يا كيوي)، إذن لأقضي على هؤلاء الثوار البيض في مهدهم، قبل أن يصدروا ثورتهم لبقية سكان جمهورية رأسي، وما أن شرعت في الموضوع وقمت بخلط المقادير حسب النشرة، حتى أطلت شيبة صغيرة علي وقالت: ( أفعل ما شئت بنا، فذات يوم ستمشي بالشمس حتى تعرق وتحل الصبغة على وجهك، ثم نعاود الظهور من جديد، فالثوار لا يموتون)!!

ياه ... تخيلت المشهد يومها، لكم سيكون ذلك مضحكا، ثم أنا الذي نظرت إلى هؤلاء الثوار بعين الإعجاب عندما كانوا يتساقطون الواحد تلو والآخر في معركة الحلاق، أنا أفعل بهم ذلك!! مستحيل.

عدلت عن الفكرة وقلت في نفسي الحمد لله على نعمة وسام الشيب، فمهما كان الشيب سيء ولكنه يظل أرحم من الأوسمة الأخرى، سأقول إن عيرني أحدهم به بأن الشيب وقار، كما قالها من قبلي صاحب (الكرش) بأن (الكرش وجاهة)!!

سأترنم بذلك الموال الشهير: " عيرتني بالشيب وهو وقار، ويا ليتها عيرت بما هو عار"
كما سيترنم صاحب (الكرش) مثلي بالموال ذاته مع تغير بعض الكلمات:
" عيرتني بالكرش وهو جاهة، وياليتها عيرت بما هو عاهة" !!

فهكذا نحن أمة العرب يجب علينا العايش مع عاهاتنا، لا أن ننتظر النهايات السعيدة مثلما علمنا أهل اليابان.

خدعوك فقالوا أن الحياة نزهة، وإذ بها (فيلم مرتب)

منك لله يا يابان

ولم أجد أجمل من توديعكم بأغنية "ساندي بل"

وداعا إلى اللقاء ... في أربعاء جديد

يطيب فيه اللقاء ... وتحلوا المواعيد

سأودعكم ... وقلبي عندكم


http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/


الأربعاء، 1 يونيو، 2011

الأربعاء الثاني والعشرون - إلى الخلف در




كنت دائم الخلاف مع المجتمع، كان مصرا أن أعيش في جلبابه، ومثل عورة كنت أبرز بين حين وآخر، مما سبب له الحرج مرارا، إلى أن نفذ صبره ورفضني؛ فالمجتمع النمطي يكره الجمل المعترضة، طيشي كان كبيرا والجلباب ضيقا !!

نفيت، فاحتواني مجتمع افتراضي كلاجيء طائش رفضت كل موانيء ومطارات العالم استقباله، وكما كل المبعدين في المنافي القسرية، وجدت ما افتقدت في مجتمعي الأم، وشكرت السماء على ما أصابني من نفي وتهميش، ذلك لأني أدركت أخيرا أن العالم كبير جدا خارج الجلباب !!

المجتمع الإفتراضي واسع جدا حد احتواء كل المجتمعات تحت سمائه الإلكترونية؛ ما يجعلني أخطو بحرص مشاء في أرض الحفر؛ فجرح الذاكرة لا زال طريا، أخاف أن أدخل موقعا يكون مستخدميه من ربعي السابقين، كأن أتعثر أثناء بحثي في موقع "flicker" عن مشاهد خلابة بصفحة مستخدم عربي وضع صورا تحت عنوان (حارتنا) فأصاب بالتلوث البصري ثانية بسبب صورة حارته !!

أو أن أصل صدفة إلى صفحة مستخدم عربي آخر وضع صورا تحت عنوان "الربيع في بلادي"، فتعود إلى ذاكرتي الصورة الخاطئة عن الربيع التي تم ترميمها عندما شاهدت صورا للربيع في غرب المانيا؛ فلون العشب هناك أخضر بهيج، ولون الخراف أبيض كالثلج البكر، عكس الربيع العربي الذي يكون فيه العشب زيتي مغبر ترعى فوقه خراف بلون "سكري" من شدة (الوسخ) !!

حائطي على "facebook" مرآة روحي، عكس حائط بيتي الصامت الذي لا يعبر حتى عن نفسه، والذي نقشت عليه ذات يوم ما كان يجول في خاطري، فجأت "أمانة عمان" ودفعتني غرامة ثمنا لخواطري، إضافة إلى طراشة الحائط على نفقتي الخاصة !!

في عالم الواقع (مطوع) يطاردك بعصاه الغليظة حتى المسجد؛ وذلك حتى تقيم الصلاة، ومع أني لا أفهم كيف يمكن لمذعور أن يقيم صلاة تحتاج إلى أعلى حالة من صفاء الروح ! إلا أن تساؤلاتي توقفت عن التدفق لما انعزلت وما عاد أي شيء خارج إطار شاشة حاسوبي يعنيني، بيد أن العالم الافتراضي توسع حتى وصله (مطوعون) متطوعون غير تابعين لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية، ما حدى بي إلى إقامة حساب ثاني على "facebook" جل الـ "friends" فيه من الأجانب، ولو علم المطوعون الجدد بأمره لنسفواه عن بكرة أبيه؛ لما يحتوي من "فسق ومجون" !!

أكبر المشاكل يكون حلها بنقرة في العالم االافتراضي، فعندما تطرق إحدى "مستورات" إفريقيا إيميلك؛ إذ توفي زوجها وصارت أرملة، ما عليك إلا أن تنقر على "delete" فتصبح الأرملة أثرا بعد إيميل في غضون ثوان، أما "مستورات" الواقع فلا تردها النقرات ولا اللكلمات؛ فبعد أن تدعو بأن يفتح الله عليك أبواب الرزق، تدعوا بأن ييسر لك "بنت الحلال"، وقد تكون متزوجا فتقول لك مستدركة : " الله يرزقك مثنى وثلاث ورباع ... ومن ثنى دخل الجنة " فتنقدها بما تيسر حتى تفتك منها، لتلتفت من بعد ذلك يمنة ويسرة فتجد أنك خسرت زوجتك، التي ظنت أنك نقدت "المستورة" ابتهاجا بدعوتها !!

دخلت عالما افتراضيا فغدوت مفقودا في عالم الواقع، سلم الجميع لرغبتي، صرت في عين البعض ميتا، وفي عين البقية صرت نسيا منسيا، وحده والدي ازداد الحاحا؛ كان يحذرني أن الدنيا تركض من حولي وأنا قابع في مكاني، وأن جلوسي كالأطفال أمام شاشة الحاسوب لا يليق بالشيبات الخمس التي ظهرت مؤخرا في رأسي، ولأن شيبته عزيزة وكبيرة في قلبي، أذعنت لرغبته ودخلت في الجلباب مجددا !!

نزلت إلى الشارع تملؤني الثقة بأن الجلباب صار فضفاضا، كما كل شيء في هذا الكون الذي يزيد اتساعا وامتدادا، فعاودني التلوث البصري كرة ثانية، لا بسبب (الحارات العشوائية) إنما بسبب فتيات يلبسن (إشارب) من نفس لون الحذاء، ويتحزمن بأحزمة لميعة فاقع لونها لا تسر الناظرين ! حتى أنهن صرن بهذا يشبهن بعضهن حد التطابق؛ شعرت بأنني أمشي في الصين؛ فالوجوه في الصين كلها لرجل واحد، أو لإمرأة واحدة مركب على أجساد مختلفة، والخراف صار لونها بنيا قاتما لفرط ما لوثها "الديزل" فرحمة الله على أيام كانت تزهوا بها الخراف بلونها "السكري" !، ووجدت الجدران على خلاف جدران "facebook" والتي تقربنا إلى بعضنا، فالجدران في الواقع جدران فصل عن الآخر، فالمخالف لوجه نظرك يعني الجحيم، والهواتف النقالة تحولت إلى مطوعين، فمنها من يؤذن، ومنها من يقرأ القرآن ، أما "المستورات" فتلك حكاية أخرى، فإن لم ترميك بحجر ( بعد أن تكون قد تعلقت في حزامك لمدة نصف ساعة ) تقوم بالدعوى عليك في حال امتناعك عن الدفع، وقد تشتمك شتيمة خفيفة في العرض !!

تكاثر الشيب، فقفلت عائدا حيث كنت، فسامحني يا والدي، فأنا بعد اليوم لست معنيا بـ"جاهات" لم أكن عريسا ليوم فيها، ولست معنيا بدفع (نقوط) ابنة عمي التي وضعت مولودها الخامس عشر! فأنت تعرف وجهة نظري في الوافد الجديد إلى هذه الحياة، فهو مجرد بائس آخر يمشي بين الناس، أو وجبة طرية لهذه الدنيا، ولست معنيا بأناس يقيمونني من بذلتي أو من ربطة عنقي، سأوي إلى أناس أحبوا روحي، وخلي لك مجتمعك هنيئا مريئا، أما أنا فلن أعاود الكرة ..،

عجبي من الجلباب الذي (كش) دون أن يغسل !!