الأربعاء، 15 يونيو، 2011

الأسبوع الرابع والعشرون - باستا - باستا




أبطال إدراجي لهذا اليوم ثلاثة، أما الأول فقد أسميته "س" خشية التورط مع (العالم) وذلك عملا بقاعدة المدونة صاحبة الظل الطويل – خفيفة الظل - "ويسبر"، أما الثاني فسأناديه باسمه الحقيقي "كيري"، ليس شجاعة مني ولكن لعلمي أن "كيري" هذا لا يتكلم ولا يقرأ العربية، فـ" كيري" رجل ألماني، أما الثالث فهو (أنا)، لذلك سأناديه باسمه الحقيقي "نادر" لإنه لم يصب بانفصام الشخصية بعد، ومن غير المعقول أن يرفع نادر والذي هو "أنا"، دعوة قدح وذم وتشهير في أروقة المحاكم ضد نادر الذي هو أيضا "أنا"!!


عن "س"

أول طقوسي اليومية هو شرب كأس من الشاي بمعية سيجارة في الحديقة (صيفا شتاء)، وآخر طقوسي اليومية هو أيضا شرب سيجارة ما قبل النوم في الحديقة (صيفا شتاء)، فلا أحلى ولا أجمل من سيجارة وضوء قمر وليل ساكن،


وذات ليلة اكتمل فيها القمر ...


سمعت حوارا ساخنا قادما من بعيد يدور بين مجموعة من الشبان، حوار غريب اختلطت فيه الشتائم، بالنظريات العلمية، بالتاريخ، بالجغرافيا، بالرياضة، كل ذلك كان في جملة لم تتجاوز مدتها الدقيقة الواحدة!!، خمنت أنهم ثلاثة شبان من جيل واحد، فنبرة أصواتهم كانت متشابهة، لم ألقي بالا لما أسمع وعدت إلى سيجارتي، ولكن صدمتي كانت كبيرة عندما رأيت ظلا واحدا مرتعشا يقترب في الظلام وتتضح معالمه أكثر فأكثر!!، كل هذا الضجيج كان مصدره حنجرة واحدة إذن !!


يا إلهي الرحيم ... يا إلهي الرحيم


إنه هو ... إنه هو ... ، أنه "س" الذي درس معي في المدرسة نفسها، إنه "س" الذي تقاسم معي المقعد الدراسي ذاته في إحدى السنين، ماالذي وصل به إلى هذه المرحلة المتقدمة من (اللسعان)، أنه يكلم نفسه ويصرخ لوحده، الرجل (لسع) واللسع هو أول مرحلة من الجنون، فالجنون يتكون من ثلاثة مراحل، جنون إبتدائي وتظهر فيه على المريض أعراض من مثل التكلم مع النفس وهذا ما يعرف بـ(اللسع)، جنون ثانوي وهو ما يعرف بـ(التنسيم)، وتظهر أعراض على المريض من مثل توزيع الإبتسامات هنا وهناك، حيث يخيل للمريض أنه يتمدد على أحد شواطيء جزيرة "هاواي" وهو فعليا يكون موجود في "سقف السيل"، أما المرحلة النهائية من الجنون فتلك ما تعرف بمرحلة (الرندلة) ويصبح فيها المريض (مرندل) نهائيا، يسب هذا، ويشتم ذاك، وييتبسم في وجه هذه، ويصرخ في وجه تلك، ولكن مالذي جعل "س" يصل إلى هذه المرحلة من (اللسعان)؟ "س" هذا كان شجاعا جدا ومرهوب الجانب، في كل مشاجرة كنت أستعين به، "س" هذا كان عدواني وخصومته دامية، حتى أن صيته تجاوز حدود المحلية إلى فضاء العالمية، في كل مشاجرة كنت تجد "س" حتى لو كانت في الصين،"س" دائما كان يردد علي ى مسامعي جملته الشهيرة _"خرمان على طوشة يا أبو الندر"، ثم يتبعها بتنهيدة طويلة "اييييييييييييييييييييييه" ثم شفطة سيجارة عميقة، اختفى "س" في الظلام مرة أخرى، ولكن لم تختفي أفكاري طوال الليل، كنت أتسأل طوال الليل عن الأمر الذي أوصل "س" إلى تلك الحالة التي تستحق الرثاء؟


وبعد أسبوع ... ، ألتقيت "س" وقد كان ماشيا برفقة زوجته التي لم أراها من قبل، كان "س" يحمل (البيبي) وزوجة "س" تحمل مفاتيح السيارة، توقفنا، تحادثنا، كان "س" طبيعي جدا ولكن أكثر أدبا وتعقلا عما كان عليه أيام الدراسة، يبدو أن زوجة "س" (ضبعته) فقد كانت ذات شخصية قوية جدا، (ضبعتني) أنا و "س" سويا، كانت من (الكواسر)!!


يالله "س" قاهر الرجال، قهرته إمرأة !!


كانت أمه دائما تقول: "الله يعين اللي بدها تاخدك"


وعلى ما يبدو أن الله استجاب دعوات "الحجة" وأعان زوجة (س) كثيرا كثيرا ...


عدت إلى منزلي، وعرفت سر "س"، لقد كان في تلك الليلة التي رأيته فيها يتحدث مع نفسه في حالة تفريغ، إذن "س" ليس مجنون رسمي، ولكنه يعاني من (لسعان) خفيف بسبب زوجته قوية الشخصية، ناهيك عن مسؤولية ذلك (البيبي)، وجنون متوالية إرتفاع الأسعار، وضيق العيش، وقصر ذات اليد، ولكنه كان قد بالغ في تلك الليلة في الاطمئنان لعتمة الليل وسكونة، لم يكن يعلم أن (لاسعا) آخرا كان يشرب سيجارته خلف سور حديقة منزله في ذلك الوقت المتآخر من الليل!!


والأن نترك (س) قليلا ونذهب للبطل الثاني


عن " كيري"


على الرغم من أن مقاهي "الأنترنت" القريبة من مكان سكني من فئة الخمس نجوم، إلا أن ذلك لا يمنعني من ممارسة هوايتي في "الشبك" من "إنترنت" أثري في منطقة وسط البلد، وعلى ما يبدو أن هذه الهواية لم تأتي من فراغ، هي وليدة (عقدة) حلم لم يتحقق، حلم السفر والتطواف في بلاد الله الواسعة، فهذا المقهى غالب من يؤمه هم السياح، وبعض المواطنين أمثالي، ولا يخلو الأمر من بعض (الديوانجية) العابرين، هنا في هذا المقهى يخيل إليك أنك في "سيدني" إذا جلس رجل "أسترالي" إلى جانبك، هنا في هذا المقهى يخيل إليك أنك في "طوكيو" إذا جلست فتاة "يابانية" إلى جانبك، ولن أقول أنني بهذا أكون قد قزمت حلم التطواف والتجوال حول العالم ألى مجرد الإكتفاء بالجلوس في هذا المقهى الذي يجيئه الناس من كل أنحاء العالم، بل أقول أنني بهذا أكون نجحت في اجتراح (لهاية) أضعها في فم ذلك الحلم كلما جاع وبكى، فنحن العرب خير من أتفن فنون علم التسكيت بـ(اللهايات)، فالمسؤول الذي يطمئن المواطن (الطفران) أن الإستثمارات والخير قادم في الطريق إلينا، هو مجرد (لهاية)، صحن (الفول) الذي أقنعنا أنفسنا أنه يضاهي اللحوم في الفائدة والمذاق هو مجرد (لهاية) لمعدتنا كلما ألحت علينا وطالبتنا باللحوم التي وصلت أسعارها إلى أرقام فلكية، نحن مثل أم فقيرة جف حليبها، كلما بكى رضيعها قذفت في فمه (اللهاية)، فيا لهذه (اللهاية) اللعينة!!


وذات عصر ... دخل إلى المقهى رجل ستيني أشقر يرتدي "شورت" أحمر و "شباح" أصفر!!، جلس الرجل خلف أحد الأجهزة، كل شيء كان طبيعيا في البداية، هدوء يتخلله بعض العطسات، وبعض (تكتكات) صادرة عن "الكيبوردات والماوسات"، إلى أن قطعت صرخة أطلقها هذا الرجل الهدوء، صرخة شبيهة بصرخة رجل تلقى رمح في قلبه، نظرنا جميعا إلى الرجل، ولكنه لم يلتفت إلى أي أحد منا، ثم تابع الطباعة وكأن شيئا لم يكن!!، وما أن مضت ربع ساعة حتى قام الرجل من مقعده وهم بالصراخ عاليا بلغة يبدو أنها ألمانية، لم نكن لنفهم شيئا مما يردد إلا آخر كلمتان باستا ... باستا!! تارة يذهب إلى اليمين، وتارة يذهب إلى الشمال، وكأنه يلعب دور رجلين في واحد، تعلقت أبصار الجميع به، بلغت القلوب الحناجر، أما أنا فتوجهت إلى الله أن يبتعد عني ولا يؤذيني، فأنا صاحب تاريخ عريق في مثل هكذا أمور، ولا زلت أذكر تلك الحادثة التي حصلت في صباي، حادثة الرجل المجنون الذي ترك الشارع المكتظ بالمارة كلهم وراح يلحقني بسرعة ألف (كيلومتر في الساعة)، ثم أن (الكوميديا) تلاحقني أينما حللت ورحلت، خيل إلي أنه سيقوم بتكسير أحد (الهارد ديسكات) على رأسي، ولكن الحمد لله مر الموضوع بسلام، وبعد الزيارات المتكررة التي قام بها الرجل للمقهى، اعتدنا عليه جميعا، وصنفناه ضمن (المرندلين) المسالمين، ولكنه بقي مصدر رعب للقادمين الجدد إلى المقهى، آخر ضحاياه كانت فتاة "يابانية" جلست بكل هدوء وطمأنينة، ثم أخرجت زجاجة المياه المعدنية من حقيبة سفرها، ثم ضبطت ساعتها مثلما يفعل جميع اليابانيون، ولكنها ما لبثت أن جلست حتى لملمت أشياءها وهربت بسبب صرخة شبيهة بصرخة الضبع أطلقها ذلك الرجل، وبعد التقصي والتحقيق عن ذلك الرجل، اتضح لنا أنه كاتب قصص قصيرة، ألماني الجنسية، يعيش هنا منذ سنة، وذلك ليثري تجربته الحياتية، والتي بدورها ستعود عليه بالإيجاب في مجال القصة القصيرة، واتضح أن اسم ذلك الرجل هو "كيري"، وأنه يتقاضى شيك قيمته (2000) يورو من المجلة التي يرسل إليها قصصه القصيرة، وصراخه وتصرفاته الغريبة كانت ناتجة عن توحده مع أشخاص قصته أثناء التأليف والطباعة.


ملاحظة: أنه يجلس إلى جانبي الآن ويطلق صرخات شبيهة بعواء الذئب، يبدو أن قصة اليوم تتحدث عن صراع ضاري بين حيوانات الغابة!!


والآن لنترك "كيري" ولنجري مقارنة بسيطة بين "كيري" وبين "س"


لو أن "س" لاقدر الله جن، فما الذي سيحدث له، سيفعل مثل بقية المجانين في الوطن العربي، سيرتدي (بالطو) أسود (أبو فروة) صيفا شتاء، وسيعتمر طاقية صوفية سوداء صيفا شتاء أيضا، ناهيك عن لحيته التي ستطول وتطول، وسيلحقه الأطفال ليقذفوه بالحجارة، سيطلقون عليه الألقاب، سيجعلوه حقلا لتجاربهم، ففي الوطن العربي الذي يضرب فيه الأطباء والمعلمون، ماذا سيكون مصير أي مجنون؟ أما "كيري" القادم من الغرب فثمرة جنونه كانت عملة صعبة وتسكع وتجوال في شتى أرجاء الأرض!!


المجانين في الشرق تقذف بالحجارة، والمجانين في الغرب تقذف بالعملة الصعبة!!


تنرك "س" و"كيري" ونذهب إلى البطل الثالث


عن "نادر"


فقدت طعم الحياة منذ زمن بعيد، أصبحت أعيشها بلا وجهة محددة ولا هدف، صرت بعد أن كنت أملاء البيت حيوية ونشاطا قطعة أثاث صامتة، حتى مشاجراتي المستمرة مع شقيقتي على "الريموت" صارت ذكرى، حتى أنها بالأمس عبرت عن ضجرها بسبب قلة المشاجرات، قالت لي: ( حركلنا السوق شوي، زمان ما تهاوشنا)!!


قد أتزوج في يوم من الأيام فالزواج شر لا بد منه، أكيد يومها سأصبح أرنبا مسالما، فصديقي (س)، الذي كان يحسب له ألف حساب أضحى رجلا مطيعا، وكل أصدقائي الذين تزوجوا من قبله مشوا على خطاه!! حتى أنني كنت أجلس بالأمس برفقة صديق عزيز، وما أن تلقى هذا الصديق رسالة من (حماتو) وليس من زوجته حتى رد فورا عليها خشية أن يحل عليه غضبها، تضرع إلى الله أن تصل الرسالة بأسرع وقت ممكن، خيل لي أنه كان يود حمل الرسالة والذهاب إلى حماته في حالة عدم وصولها، وما أن جاءه التقرير الذي يبلغ بوصول الرسالة حتى تنفس الصعداء وحمد الله!!


جيل اليوم تغير، فجيل أمي وأمكم البسيطات اللواتي كن يتقن من الحوار القبول أو الحرد قد ولى، وجيل بنات اليوم يتقن من الحوار الرفض أو (الشحاطة)، وبعد المشاورات مع نفسي خرجت بالخلاصة التالية:


أنا مثل أي مواطن عربي يواجه الغلاء، ويعيش في الإحباط، وفي حال تم الزواج فسأكون مثل بقية من سبقوني من الأصدقاء (أرنب) بامتياز، أي أن الأسباب التي ذهبت بعقل "س" موجودة، ثم أنني أكتب قصص عن "جبر"، وقد يأتي علي يوم أجد نفسي فيه متوحدا مع أشخاص القصة مثلما يفعل "كيري"


وبذلك أكون جمعت كل أسباب الجنون التي أودت بعقل الرجلين، فإذا شاهدتم في إحدى إدراجاتي كلمة باستا ... باستا، فهذا مؤشر للجنون، فما عليكم يومها إلا أن ترسلوا للمدون " أشرف محي الدين" صاحب مدونة أفكار وتساؤلات، فهو الوحيد الذي يعرفني شخصيا ويعرف عنواني، وذلك لعمل لمة شهرية خشية أن أدور في الشوارع وأقذف بالحجارة.


وإلى اللقاء في الأربعاء القادم ان شاء الله، وسلامة عقلكم، باستا ... باستا!!

http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/