الخميس، 10 فبراير، 2011

الأربعاء السادس - إلى إمرأة في داخل الميدان








في داخل الميدان الذي صار قبلة العيون باختلاف أشكالها وألوانها، تقف فتاة لها هيئة الملكات، قمحية اللون، فاتنة العينين، فهما واسعتان داكنتان، مسحوبتا الطرفين إلى أعلى، وقد ورثت فتنتيهما عن جدتها الملكة "كيلوبترا".

وللحقيقة ... فأنا لم ألحظ حلاوة ملامحها قبل أن تحرك روحها الثورية تلك الملامح التي كانت راكدة حتى الخامس والعشرين من يناير للعام 2011، وأحمد الله أن وجهها المهيب مؤطر بمنديل أبيض يلم ضفائرها، فلو نثرت تلك الضفائر السوداء في الهواء، لتعلق بهم ألف شاعر وألف ألف فارس، فالمرأة الأسطورية الحلم التي لطالما تغنى بها الملوك والشعراء وأفنوا أعمارهم في البحث عنها حتى يئسوا وظنوا أنها خيط دخان، صارت اليوم حقيقة قابعة في ميدان التحرير !

ضلع ينتصب بمنتهى الإستقامة ليرد عن نساء الشرق تهمة لاحقتهم طويلا بأنهن ضلعا أعوج، فارغة اليدين بلا أي أجندة خارجية، فارغة القلب من أي دوافع إنتقامية شخصية، فليس لها أبا أو أما أو زوجا قضى تعذيبا في أقبية الأمن المركزي المرعبة، إنما جاءت لتوقف كيد الظالمين عن ضحايا محتملين لاحقين، وأقسمت أن لا تبارح الميدان حتى يتوقف التعذيب، ويتوقف تسرب الغاز المصري إلى أراضي العدو، ويزرع القمح بسواعد مصرية حرة، بعد أن صارت تلك السواعد مجرد أداة لفتح أكياس القمح المستورد من أمريكا !

وفي كل مرة تتحدث فيها من خلال قناة ظننا أنها "جزيرة" ليتضح فيما بعد أنها محيط نحن فيه جزر صغيرة، يلهب صوتها الثوري الألاف من الشباب والصبايا والأطفال والكهول، فيزداد الميدان حشدا فوق حشد.
فـ الشاب (الجدع) "شحاتة ابو سته" ابن الحي الفقير الذي صدق في يوم من الأيام أن (بختو مايل) رغم صنائعه السبع التي لم يجني منها إلا سبع دفاتر ديون غليظة موزعة بالتساوي بين البقال والخباز والجزار، سمع صوتها الثائر فأيقن أن الخطاء ليس فيه، إنما بالفاسدين الذين كادوا أن يهلكوه، فالتحق بالجموع المرابطة في الميدان، والعم "فرغلي" الذي كان يعمل نهارا كاملا ليؤمن أجرة غرفته البائسة فوق (السطوح) وسيجارة (البانجو) التي تنسيه شقاء ذلك النهار !، علم يوم سمع صوتها الناري أن الفاسدين سرقوا وجبة عشائه، وأن النهار يتسع لوجبات ثلاث كاملة الدسم تأتي بعمل خفيف لا يضطره لسيجارة (بانغو) تنسيه الآم ظهره الذي خلفها نهار عمل شاق !!

مرابطة في الميدان، لن تبارحه حتى تطيح بالفاسد الأكبر، فرغم هزيمتها وزملائها الثوار لعصابات الأمن و(البلطجية) إلا أن ذلك لا يمثل لها ولهم إلا كسرا في المخلب، فهي تعلم جيدا أن المخالب يجب أن تجتث من جذورها كي لا تعاود النمو.

سيدتي ... مولاتي
وددت لو أقبل تلك الحنجرة التي تؤجج نيران الثورة كلما خقتت، وددت أن أقبل قدميك يا أيقونة الثورة، ودت أن أفعل هذا وأنا الذي لا كبير لي، فقد حطمت بفأس سخريتي كل الأساطير، فجاري الحاج التقي الذي أدعى أنه خاض سبع حروب في الدفاع عن العروبة والإسلام، تم ضبطه بوضع مشبوه مع "سريلانكية"، وقد ألقيت بجدي من النافذة بعد أن ثقب قرعة رأسي بأن جيلهم جيل الأخلاق، مع أنه كان يصبغ شعره، وكلما غفلت عيناي عنه، صار يتلفت يمنة ويسرة باحثا عن فتاة يشبع بمفاتنها نهم عينيه !!

مصرة على مطالبها، فهي من الذكاء لتكون متيقنة من انها لو غادرت الميدان دون أن تظفر بكل ماتريد، فأنها ستذبح من الوريد إلى الوريد، ولكنها ليست "ليلى" البلهاء رغم أن النظام كان ولم يزل هو "الذئب"، وكيف تؤمن لهم ستة شهور يصوغون فيها ألف "سيناريو" ورواية، فقد صاغوا في خمسة أيام "سيناريوهات" عديدة محكمة الدهاء والشيطنة، مما جعلني أحرق مكتبتي التي تضم مجموعة من الروائيين العتاة، فلقد آمننت أن خيالهم فقير ناضب امام خيال الأنظمة الديكتاتورية، ففي اليوم الأول حلوا الوزارة ووعدوا بأنهم سيأتوا بوزارة تلبي طموحات الشباب الذين فجروا الثورة، ولكن الوزراء تم جلبهم من المتحف، فالمراهق فيهم من مواليد 1918 !!
وفي اليوم الثاني، جاء "سيناريو" الإنفلات الأمني عندما فتحوا أبواب السجون للصوص والـ(البلطجية) ليعيثوا في البيوت نهبا وخرابا، وفي اليوم الثالث جاء "سيناريو" الميليشيات الخارجية التي تريد تدمير البلاد، ميليشيات ( إسرائيلية _ إيرانية _ فلسطينية) فأي خلطة عجيبة هذه !!
وفي اليوم الرابع اطلقوا العنان لجمالهم وخيولهم وبغالهم لتبعثر الصفوف، في مشهد يعود إلى ما قبل القرون الوسطى، مشهد أطلق عليه ( غزوة الجمل 2011) !!
كل هذا حصل في خمسة أيام، فما الذي سيحدث في ستة أشهر !!

النصر لمصر ... اقترب لا محالة

لم ولن تمشي، فهي لا زالت تردد بلكنتها المصرية المحببة إلى قلب كل عربي ( مش هنمشي ... هو يمشي) فهي تعلم أنه لو مشت، فستنزل عن عرشها المنصوب في قلب الميدان لتلتحق بطوابير العيش، لن تمشي فهي لا تقامر، إنما تقف على مفترق طرق، الأول يؤدي إلى حرية خالصة، والثاني إلى جنة أبدية، فيالحظ مدينة القاهرة التي فوق ترابها قدماكي،

وما دمنا في سيرة المدن، أحيطك عملا سيدتي بأن مدينة "باريس" بعثت إلي ليلة الأمس تشتكي جمال وجهك،


فـ"باريس" لها قوس نصر واحد ... أما أنت فقد صار حاجباكي قوسا نصر ...
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/