الأربعاء، 6 فبراير، 2013

الأسبوع أربعون - ليلى وعشاقها الألف






    صديقة "أعجمية" عمر صداقتي بها من عمر "ماسنجر الياهو" خاصتي، أي أنها كانت الساكنة الأولى في ذلك "الماسنجر" الذي صار اليوم برجا يسكنه أكثر من مئة وأربعين كائنا إفتراضيا !!
ومن دأبها مذ عرفتها أن تظهر زمنا وتختفي آخر، لكن اختفاءها المتكرر لم يكن ليثير في نفسي أي تساؤل، فـ"الأعجميات" مثيلاتها اللواتي يكن في العقد الثالث من العمر لا تطول فترة عنوستهن الموسمية أكثر من شهرين، فالولوج في علاقة جديدة في الغرب أيسر من إعداد فنجان قهوة !!
عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة، هذه الأمثولة هي أحد مبادئي في الحياة، لذلك لم أكن لألومها على اختفائها وهجرانها المتكرر لنا نحن معشر الكائنات الافتراضية، فحبيب حقيقي خير من عشرة على "الماسنجر" !!
ولا أزل أذكر ذلك الزمن الأول الذي تعارفنا فيه، كنت وقومي في عينها الزرقاء مجرد بدائيين يمتطون الجمال بحثا عن عين ماء ليدقوا خيامهم حولها!!، ولكني لم ألبث أن حطمت تلك الصورة المغلوطة عن العرب والتي كرستها "هوليود" في أذهان الغربيين، وبدلتها بلوحة زاهية الألوان، تعكس مدى التطور الذي وصلنا إليه، وللحقيقة ... لم أواجه أدنى صعوبة في ذلك، فقد قمت بإرسال ملف صور لبلادي، صورة لفندق الرويال، صورة لمجمع بنك الإسكان، صورة لعمارة البرج ...، مجموعة صور من تلك التي ترافق الأغاني الوطنية التي تبث يوميا قبل أخبار الثامنة مساء، مع الحرص بالتأكيد على أن تكون تلك الصور ملتقطة بأيد مدربة ومن مسافات شاهقة _ من طائرة عامودية _ أي أني توخيت الحيطة لعدم ظهور أي مشهد أرضي، فقد تحسبني من كوريا الجنوبية حين ترى ذلك الكم الهائل من سيارات "الكيا سيفيا"، أو من تركيا عندما ترى أسياخ "الشاورما" التي فاقت في أعدادها البشر !!

نحن في الشرق نتظاهر بما ليس فينا، فعندما تخرج المرأة المسترجلة والتي تحكم زوجها بـ (الشبشب) إلى السوق، تسرف في ارتداء الملابس الزاهية الموردة، وذلك لتفصح عن كمال أنوثتها، وعندما يرتدي جارك (
السرسري) الذي أمضى العمر في عقوق والدته قميصا صيفيا قصير الأكمام، فإن أول ما تقع عيناك عليه هو تلك العبارة الموشومة على ساعده بخط ركيك " لن أنساك يا أمي"!!، حتى لقد انتقلت هذه العدوى إلى الجمادات، عندما صار من المألوف أن تقرأ على سيارة الأجرة المتهالكة عبارة " لا تلحقني مخطوبة"!!
وعندما طال شرقنا أول خيط من خيوط الشبكة العنكبوتية، وجدنا في تلك العوالم الافتراضية ضالتنا، فالشاب الذي لم يعرف من النساء إلا أمه كتب على الـ " status" خاصته " الرجل الذي قهر ألف امرأة"، والفتاة التي تشبه كل شيء إلا النساء كتبت على الـ"status" خاصتها "بدر البدور"، وحتى الشاب الذي يعمل بواب عمارة في بلد عربي مجاور كتب " Arabian prince in usa" !!
أما في الغرب، فالصورة مغايرة تماما، فهم لا يسلخون عالمهم الواقعي عما نسميه نحن العالم الإفتراضي، فأسماؤهم على " facebook" أو على أي موقع إجتماعي آخر هي ذاتها في جوازات سفرهم، وفي كل ظهور جديد لصديقتي بعد غياب، تظهر عبارات تعبر عن الحالة السيئة التي تعيشها عبارات من مثل " in depression"، أعرف فور قراءتي لها أن حالة الحب التي كانت تعيشها بردت وفي طريقها إلى الانجماد، ثم تشرع في سرد اللحظات التي عاشتها مع حبيب لا يستحقها، ففي كل مرة تصور لي أنها الضحية التي يستغل طيبة قلبها الرجال الشياطين ! ثم تقر بأنها كانت في الطريق الـ "wrong" فأتمنى لها بدوري كصديق يشاطرها الأفراح والأحزان أن يمن الله عليها بـ الـ " right one" !!

وعندما تنتهي من سرد الأحداث، تبدأ بطرح حزمة من الأسئلة عن كل ما يخصنا كشرقيين، فأقوم أنا بإضافة ما أمكن من الألوان الجميلة على اللوحة، وهكذا صارت تعرف عنا الكثير، عن عاداتنا في الزواج، وعن صلة الرحم، وعن شرفنا الرفيع الغالي، وذهبت أبعد من ذلك عندما أنتسبت إلى عمرو دياب "fans club"ـ حتى لقد أصبحت تعرف (المقلوبة) و (الكرشات)!!
مر على آخر ظهور لها أكثر من عامين، ولكني صراحة لم أشتق للحديث معها، بل على العكس، فقد ندمت كثيرا على أيام سفكت ساعاتها خلف شاشة الحاسوب في الحديث معها ومع غيرها، ومنذ أن مر عام على اختفائها وأنا أدخل بالنظام المخفي، حتى أنني في الشهر الأخير لم أعد أزور "ماسنجري" إلا قليلا، ولكني اليوم نادم جدا على اتخاذي مثل هذا القرار، وقد قررت أن أنشط الكترونيا أكثر من ذي قبل بكثير، فقد كان قرار ابتعادي عن هذا العالم أكبر أخطاء حياتي، أو على رأي صديقتي أكبر (رونغاتي)، وأنا بصدد إنشاء حساب على " twitter" وعلى "hi5" وعلى المواقع الإجتماعية ألأخرى، فعندما يقرر رجل مسكين مثلي أن يبتعد عن عالمه الإفتراضي، فإنه لن يجد نفسه إلا متسمرا كل ليلة أمام شاشة التلفاز لمتابعة "زهرة وأزواجها الخمسة"، فما الفرق بين صديقتي الأعجمية التي كانت تسرد علي حكاياتها العشقية و "زهرة" التي تقص على جميع الرجال حكايتها الزوجية !!، بل على العكس، فأن حكايات صديقتي غير خاضعة لمقص الرقيب، كما أنها خالية من الإعلانات التلفزيونية والتي تطول مدة عرضها عن مدة عرض المسلسل، كما أنني كنت أحرص على تجميل صورتنا أمامها وأمام غيرها، وبناء على ماسبق سأشرع في التعرف إلى "شتيفي" الألمانية و" أوكسانا" الروسية، و"موغانابي" الموزمبيقية، و"تريسي" الأمريكة، وسأستمع بالتفصيل الملل إلى حكاياتهن الغرامية، بل أنني سأذهب إلى أبعد من ذلك عندما أقوم بحفظ الحوارات كلها على ملف خاص، ثم أنمقها وألصق كل الحكاية ب، "ليلى" العربية، وأقترحها سيناريو لرمضان القادم علني أدخل إلى عالم الفن من أوسع أبوابه، وسوف أسمي هذا المسلسل " ليلى وعشاقها الألف" !!