الأربعاء، 10 ديسمبر، 2014

الأسبوع الرابع والأربعون - أسامينا



   على بطاقة الدعوة البيضاء، كُتب بخط فارسي مُذهب - بعد الدعاء بأن يغني الله العريسين بحلاله عن حرامه وأن يهب لهما الذرية الصالحة وأن ينعما بالعيش في ثبات ونبات - أن السيد القاضي ..../...... (ابو مازن) رئيس محكمة جنايات ...... سابقا، أمين سر نقابة القضاة حاليا، يتشرف بدعوتي لحضور حفل زفاف ولده المهندس ..... على صاحبة الصون والعفاف (ابنة خالتي) المهندسة ..... والتي تكون كريمة زوج خالتي الأستاذ دكتور ......./ ....... (ابو خليل) عميد كلية الآداب حاليا، محاضر في جامعة ...... في الولايات المتحدة سابقاً !!

دنوت من خالتي في حفل الزفاف مهنئاً، وفي زحمة الألقاب والأسماء تاه عن شفتي اسم العروس (ابنة خالتي)، وهي التي تربيت واياها سوياً، ذاكرتي التي استحضرت كل ألقابها وأسماءها الفخرية التي التصقت بذاكرتي بسبب بطاقة الدعوة، عجزت عن استحضار اسمها الحقيقي، مرة أكاد أن أقول "ألف مبروك لصاحبة الصون والعفاف"، ومرة أكاد أقول " ألف مبروك للمهندسة"، ولولا لطف الله لأفلتت من فمي عبارة " ألف مبروك لكريمته" !!

وفي البرنامج الحواري على إحدى الفضائيات، عندما بدأ المذيع بتلقي الاتصالات من السادة المشاهدين، وبعد السجال الأزلي الذي يطلب فيه المذيع دكتور الصحافة والإعلام ...../ ...... من المتصل بأن يخفض صوت التلفاز و يسمعه من خلال الهاتف، فينادي المتصل بصوت مسموع على الهواء على زوجته (ام خالد) التي تقف وأولادها إلى جانب التلفاز، مبتسمةً ببلاهة، ذلك أن زوجها (ابوخالد) يدلي برأيه السياسي في بث حي ومباشر على التلفاز (الأمر الذي سيجعلها تمشي برأس مرفوع غداً بين الجارات!)؛ طالباً منها بأن تخفض صوت التلفاز حتى يتسنى للمذيع سماعه، إلا أن المتصل يتوقف عن الكلام فجأة، فيطلب منه المذيع بإلحاح (نظرا لضيق وقت البرنامج لصالح الإعلانات!) بأن يدلي بمداخلته على ضيوف الحلقة الجنرال المتقاعد ...../...... والناشط السياسي نائب المدير الاقليمي لمنظمات المجتمع المدني في الشرق الأوسط ...../ .......، لكن المتصل يصرف النظر عن المداخلة التي كتبها على ورقة ثلاثة أيام بلياليها، ويعبر عن امتعاضه عن الطريقة التي كتب فيها (الشباب في الجاليري) اسمه، ذلك أن اسمه لم يُسبق بالدال الدالة على حمله لشهادة الدكتورة !!

 السنوات الطوال التي عملت فيها بإحدى الشركات سابقاً، كانت كافية لحفظي عدد المكاتب والكراسي، وعدد اللوحات المعلقة على الجدران، وعدد البلاطات، وتواريخ ميلاد ابناء الموظفات، وأسماء أوزاجهن، وعدد (الكاروهات) في قميص المراسل ..، كل هذا حفظته عن ظهر عين وقلب إلا أن شيئاً واحداً لم أحفظه، اسم المدير !!، فالموظف صاحب المستوى الطبيعي من نسبة التزلف في الدم، كان يناديه معالي المدير، والموظف صاحب المستوى العالي من نسبة التزلف في الدم، كان يناديه معالي الباشا، حتى أن زوجته لما طلبته باسمه المجرد عندما اتصلت بي ذات يوم، قلت لها باختصار قبل أن أغلق "هنا شركة ياأختي، لا يوجد لدينا شخص بهذا الاسم" !!  

وأثناء تأديتي لفريضة الحج برفقة جدي، تحديداً، أثناء السعي بين الصفا والمروة ركن الحج الرابع، مسنا الشك في عدد الأشواط التي اتممناها؛ أقول له ستة، فيجيبني بأنها سبعة كاملة، ستة، بل هي سبعة، ثم ما لبث أن أنهى هذا الجدال عندما قال " ستة، سبعة، لا شيء يضيع عند الله، غداً أعود إلى البلد ظافراً بلقب (حج)، وأستبدل "قارمة" المحل القديمة المكتوب عليها (محلات ابوصبحي وأولاده لتجارة مواد البناء) بأخرى جديدة مكتوب عليها (محلات الحاج ابو صبحي وأولاده لتجارة مواد البناء) !!

لكل مولود من اسمه نصيب، ولإبنة خالتي الجميلة نصيب وافر من اسمها الذي يكون أحد معاني الحسن، لكنها وأهلها أصروا على مسحه من ذاكرتي لما دججوا بطاقة الدعوة بالألقاب : المهندسة وصون وعفاف ... الخ، ،لم أقرأ في سيرة حمورابي (ابو التشريع في القانون الجزائي) صاحب قانون (العين بالعين والسن بالسن) بأنه شغل منصب مدير محكمة جنايات، أو أنه كان عضواً في نادي القضاة !، مثلما كتب صاحب بطاقة الدعوة، لم تسبق دال الدكتوراة اسم اينشتاين الظاهرة (ابو الفيزياء النووية) ولم يتبع اسمه مناصب شغلها من مثل محاضر في جامعة كذا وكذا، لكنها أي دال الدكتوراة سبقت اسم حاملها العربي الذي اشتراها من أوروبا الشرقية إبان فترة الحكم الشيوعي عندما كان ثمن درجة البكالوريوس (كروز مارلبورو امريكي) و ثمن الدكتوراة قارورة عطر (شانيل)، لم أعرف اسماً آخر لتشي جيفارا الذي قضى الدهر في ميادين القتال، وفي الوقت ذاته، لم أعرف الاسم الحقيقي للجنرال العربي الذي خاض حروباً ضروسا في مؤسسات الاسكان العسكري للحصول على قرض شقة، أو في ميادين شركات الاتصالات للحصول على عرض خط جيش الذي يتيح له ألف دقيقة مجانية للثرثرة على الهاتف، ولم يذكر التاريخ أن أحداً من الصحابة أضاف كلمة الحاج على (قارمة) حانوته فور عودته من الحج !!

قد يكون السبب في تمسكنا بالألقاب الفخرية، هو علمنا أنه لا أثر لأفعالنا على الأرض، والعكس بالعكس، أي أن السبب في تمسك الأمم الأخرى باسمائهم الحقيقية هو فعلهم الأكبر من كل الألقاب الفخرية ..، شخصياً، يأخذني التيه والعجب عندما يناديني أحدهم بلقب فخري، أو حتى لقب يدل على الاحترام مثل كلمة أستاذ، لكن التيه والعجب لا يلبثان هنيهات قليلة حتى يتلاشيا عندما ينساب صوت السيدة "فيروز" بدفء في أذني مذكرةً بأن (أسامينا شو تعبو اهالينا تالاقوها)، فلن تجد أجمل من اسمك الذي تعب بالفعل أهلك حتى وجدوه دون الاستعانة بمحرك البحث (جووجل) ..، بناء على ما سبق ناديني باسمي حتى لا أعق والدي اللذين شاءا أن أكون نادراً !!


صفحتي على فيس بوك الكاتب نادر أحمد