الثلاثاء، 12 أبريل، 2011

الأربعاء الخامس عشر - الرصاصة الطائشة



توجه جبر إلى محل كي الملابس الموجود في الحارة(ابونضال ستيم) ليتأجر بذلة، فاليوم حفل زفاف (ابن خال اخو اخت جوز امه اللزم).

ماكاد جبر يلقي التحية حتى ترك ابو نضال مكانه من خلف (جحش الكوي) وهم بتقبيل جبر بحرارة المشتاق الذي انتظر الحبيب دهرا، مع أنه التقاه في صلاة الفجر وقبله، والتقاه في صلاة الظهر وقبله ( غريبة ظاهرة التقبيل المتفشية في المجتمعات العربية).
جبر: ( بدنا تأجرنا بدلة مرتبة هيك على زوءك).
ابو نضال: ( شو رأيك بالبدلة النيلي اللي جرافتها حمرا هديك)؟
جبر: (يارجل هاي اللي أجرها المرحوم ابوك للمرحوم ابوي يوم ما تجوز المرحوم ابوي المرحومة امي).
ابو نضال: ( طيب شو رأيك بالبدلة الزيتية اللميعة هديك)؟
جبر: ( يا ابن الحلال هاي اللي حضرنا فيها عرس فريد الاطرش في المدرج الروماني).
ابو نضال: ( يبقى ما الك الا الكموني هديك).
جبر: ( مش هاي يا زلمة اللي حضرنا فيها افتتاح مجمع بنك الاسكان).
ابو نضال: ( تاخد سفاري)؟
جبر: ( يوووه ... هو في حدة لسه بلبس سفاري).
ثم وقعت عينا (ابونضال) على بذلة أحد الزبائن، فوسوس له الشيطان أن يؤجرها لجبر، فوافق الأخير على الفور، ثم دفع بالورقة الحمراء في يد (ابونضال) وانطلق مسرعا نحو البيت، ثم صرخ (ابونضال) موصيا: ( دير بالك على البدلة هاي ماركة بسام لوران).

مع أن موعد الا ستحمام الشهري لم يحن بعد، إلا أن الحدث استدعى جبر إلى عقد (حمام طاريء).
خرج جبر من الحمام، ثم ارتدى البذلة، سرح شعره بعناية، ثم مسحه بكمية وافرة من زيت الزيتون (الجل الخاص بجبر) الذي يضفي على شعر جبر تلك اللمعة المحببة إلى قلبه!! ، اعتمر كوفيته(فوق الزيت)، ثم أنهى تأنقه بلمسات من ماء (الكولونيا) المفضل عنده، والذي ابتاعه من المؤسسة المدنية ( فريسكال النوع الذي يستخدمه الحلاقون)، والذي طالما امتدحه جبر بقوله (مالو رخيص وكويس وابن ناس)!! تأمل نفسه في المرآة ، تفقد شاربه الشبيه بشارب (هتلر) معجبا بوسامته : شعر لامع يظهر من تحت (الشماغ)، ملامح (مسمسة) رغم أنفه الشبيه بحبة الطماطم!! أخذ نفسا عميقا ثم تنهد مخاطبا نفسه : ( آآآآآآه، والله شيخ الشباب يا جبر، بس حظك قليل)!! لطالما حلم جبر بأنه عريس في حفل زفاف اسطوري، يجلس إلى جانب عروسه الفاتنة الشبيهة ب(سميرة توفيق)!!


في الثالثة بالضبط كان جبر في مجمع المحطة، واقفا في الطابور، في انتظار الحافلة التي ستقله إلى حيث حفل الزفاف في بلدة بعيدة عن العاصمة، أخيرا جاء الباص، وصعد جبر، واستقر في مكانه المفضل بجانب النافذة، وانطلق الباص (يخضخض بها الناس)، اقترب (الكونترول) من جبر طالبا الأجرة فأخرج جبر خمسة عشر قرشا من جيبه فرماه( الكونترول) بنظرة كنظرة النسر وقال: (الأجر عشرين يابا)
جبر: ( بس انا نازل قبل اخر الموقف)
الكونترول ( مش مشكلتي، بدك تدفع الأجرة كاملة )
جبر: ( لاء ما بدفع، الله ما قالها أنزل بنص الطريق وأدفع كل الأجرة)!
فما كان من (الكونترول) إلا أن قام بحركة (كونغ فو) خاطفة وأخرج موسى وأخذ يلوح به بسرعة أمام وجه جبر الذي انخلع قلبه وأصبح وجهه أبيض كالشبح، وصار الباص في لحظات (طعة وقايمة) ولولا تدخل (وجوه الخير) لأصبح وجه جبر عبارة عن مجموعة شوارع!! كل هذه المجزرة بسبب (شلن) أو على رأي جبر (شلم)!!


المهم أن جبرا وصل سالما معافى الى البلدة في وقت مناسب، وتوجه الى منزل والد العريس، ودخل الى (الشادر) وجلس يتبادل الاحاديث مع الموجودين في انتظار حفل الزفاف الذي سيبدأ بعد حوالي أربع ساعات!!


كان جبر سعيدا لرؤية ( مرعي) المقرب إلى قلبه، ومرعي هو أحد أقارب العريس، كان مرعي بين الفينة والأخرى يقطع الحديث ليضبط صوبة (الفوجيكا) مرة، وليضيف اليها (الكاز) مرة وهكذا، إلا أن هذا لم يمنع جبرا من الاستمتاع بحديثة مع (مرعي) الذي انتهى بعد لحظات قليلة بسبب حضور (المناسف) المكللة باللحوم والبقدونس!!


في ثوان قليلة كانت (المناسف) قد أحيطت بالرجال من كل حدب وصوب، أما جبر فقد اتخذ مكانه بجانب (مرعي) صديقه الحميم، شمر جبر عن ساعديه، وانكب فوق (المنسف) كالأسد الهصور، (واشتغل التكميس) .


استمتع جبر بالطعام لكنه أحس بطعم كطعم (الكاز) في (المنسف) لا يدري من أين أتى، لكن جبرا متأكد من أنه غسل يديه جيدا قبل الأكل، وقال في نفسه "ماعلينا" وظل جبر يأكل مرددا : (اللهم أدمها من نعمة واحفظها من الزوال)!!


كان جبر يتحدث مع (مرعي) اثناء الأكل، ولكن (مرعي) لم يكن يجيب، فنظر إليه جبر ليرى ما الأمر، فأذا بمرعي يأكل بتلذذ عجيب!!


انطلق موكب العرس متوجها إلى منزل العروس، وكان جبر سعيدا لفرح أقاربه، راكبا في السيارة يغني ويصفق وقد خلع عقاله وأخذ يلوح فيه مرددا بحماس أغنية ( اردن الكوفية الحمرا ، اردن الجبهات السمرا، هيه ،هيه، هيه) فجبر مواطن بسيط يعشق الوطن وأفراح الوطن!!


وصل الموكب بسلام، ونزل الجميع رجال ونساء وأطفال يركضون هنا وهناك، وقد سدوا الشارع من كثرتهم، خرج العريس والعروس من منزل والد العروس على أنغام الفرقة الموسيقية التي كانت تصدح موسيقاها في الشارع، كانت العروس في أوج انوثتها لولا ذلك الشارب الخفيف الذي يزين وجهها فوق الشفة العليا، أما العريس فقد كان رجولة حقيقية لو أنه ملأ بذلته قليلا، فقد كانت البذلة (مبحبحة) وعلى ما يبدو أنها بذلة أخيه الأكبر الذي عرف عنه بأنه (جهامي) ، مما جعل جبر والناس يظنون أنه ارتداها مع (العلاقة)!!


صنع الشباب حلقة دبكة وأخذوا يدبكون بفرح، فيما جبر في وسط الحلقة يقوم بالدبك والقفز مستعرضا مهاراته وكأنه في العشرين!! (اشتغلت الطخطخة) رصاصات تتطاير هنا وهناك والموسيقى تصدح والطبول تدق، كانوا يرقصون على أغنية (جيشنا جيش الوطن) وجبر يتطاير من الفرح ، يقفز ويدبك ويطلق (شلاليت ومقصات) في الهواء وهو ممسك بعقاله خشية أن يقع!!
وفجأة...
انطلقت رصاصة من فوهة أحد المسدسات وفي ثوان قليلة اخترقت الجموع لتصل إلى ... جبر!!
طارت كوفية جبر بعد أن أخترقتها الرصاصة التي لم تصب رأس جبر، ولكن جبر خارت قواه من فرط الرعب والهلع، وأحس بأن ساقيه لا تحملانه فسقط على الأرض وأحس بأن الأرض تدور من حوله، وزاغ بصره ولم يعد يسمع أو يرى شيئا سوى أضواء ساطعة وظلام دامس، وصوت طبلة، ونساء (تولول) وتصرخ، وأصوات رجال، وبكاء أطفال، ثم انقطعت كل الأصوات، ولم يعد جبر يرى شيئا، لقد أغمي عليه ...
استفاق جبر ليجد نفسه ممددا على نقالة (الدفاع المدني) وراح يتفرس في وجوه الحلقة البشرية المتجمهرة حوله والتي رفعت هواتفها النقالة لتصوير ضحية رصاصة العرس الطائشة في مشهد لطالما حلم جبر به، فقد كان يتمنى وهو صغير بأن يكون قبلة عدسات الكاميرات على غرار نجمه الشهير ملك البوب (مايكل جاكسون) مع الفارق البسيط بينهما لأن جبر كان ملك (الدبكة)، ثم تعالت الصيحات والهتافات والتصفيق والصفير ممزوجة بزغاريد النساء المزعجة وأصوات من هنا وهناك:( حمد الله على سلامتك يا حج).
قال جبر بصوت خافت: (حج؟ فجة تفجك فج، انته وياه، انا اصغر منك ومنو ولا).
تحسس جبر رأسه فلم يجد الكوفية، ثم قال (وين الشماغ)؟


ما هي الا ثوان معدودات، حتى أقبل طفل مسرعا وهو يحمل الكوفية والتي كانت تقطر زيتا من الثقب المتسع الذي خلفته الرصاصة الطائشة وناولها جبر قائلا:( خود عمو، فكرتها صحن فول من كتر ما عليها زيت)!!!


أخذ جبر يتفقد ملابسه كالمجنون صائحا: (البدلة، البدلة، والله لو صار فيها اشي ليدفعني ابو نضال حقها الشيء الفلاني، هاي ماركة بسام لوران)


فصاح أحد الشباب:( لا تخاف يا حج كلها على بعضها ما بتسوى عشرين ليرة، ما تخاف هاي بدلة صيني مش اف سان لوران!!


تحول العريس إلى سجن الجويدة، أما العروس فراحت تبكي وتندب حظها الأسود الذي لم يفلح بياض ثوب زفافها بالتخفيف من ظلمته، وقيدت الرصاصة ضد مجهول، وذلك المجهول هو الذي كان أول من صور جبر أثناء احتضاره على نقالة (الدفاع المدني)، وكان أول من أنزل المادة التصويرية على موقع (يوتيوب) تحت عنوان:




" ظاهرة اطلاق العيارات النارية...... الى متى"؟؟
http://www.osbo3yatjaber.blogspot.com/