الأربعاء، 6 أبريل، 2011

الأربعاء الرابع عشر - نهاية رجل وسيم


تبدأ الأحداث عندما تصل تلك الشاحنة الصغيرة المحملة بالأثاث الأنيق، ليتم نقله إلى الطابق الثاني حيث الشقة التي كانت حتى الأمس فارغة، في الجانب المقابل ومن خلف النافذة الواسعة المجللة بالستائر، تبرز عين السيدة سلمى، لتتفحص المشهد بفضول بالغ، وتجول عيناها على الشاحنة وقطع الأثاث التي فيها وعدد تلك القطع وألوانها، وأشكال العمال الذين يحملونها، والرجل الواقف بجانب الشاحنة، والذي يبدو أنه الساكن الجديد، تفحصته السيدة سلمى جيدا، فعرفت طوله وعرضه ونوع النظارات الشمسية التي يرتديها وعدد شعيرات رأسه، تأملته جيدا وحدثت نفسها قائلة: يا لوسامته !! ثم ركزت بصرها على المرأة الواقفة بجانب ذلك الرجل والتي يبدو أنها زوجته، تفحصتها من رأسها حتى أخمص قدميها حتى عرفت نمرة حذائها ومن أين اشترته، تسلقت نظراتها المرأة رويدا رويدا _ أي عملية مسح ضوئي كامل _ حتى وصلت وجهها، فحملقت بكل ما أوتيت من قوة، حدثت نفسها قائلة: يا للهول: هل هذه الضفدعة هي زوجة ذلك الرجل الوسيم ؟؟ لا أصدق، سبحان الله، أنه النصيب !!

استدارت السيدة سلمى إلى الداخل ووقفت أمام المرآة تتأمل نفسها، تأملت وجهها الأبيض المستدير، وشعرها الأملس، تراجعت بضع خطوات إلى الوراء واستدارت دورة كاملة متأملة اعتدال قوامها وبطنها المستوية ورقبتها الطويلة البيضاء، خرجت منها "آها" متحسرة على نصيبها وخاطبت نفسها قائلة: آ آه، أما كان أولى بهذا الجمال أن يكون حريا برجل وسيم قسيم كذلك الساكن الجديد ؟؟ بدلا من "سيد قشطة" المتمدد على الكنبة بـ (الشباح) في الصالة، والذي لا يعرف كيف يفك الخط، ولا يقدر الجمال، وكل ما يفقه فيه هو أعمال البقالة، والإستلقاء عصر كل يوم على الكنبة لشرب معسل "رغلول" !! والمنادة على أهل المنزل ( وين الفحم) !!


بزغ فجر يوم جديد، ثم أشرقت الشمس، قامت السيدة سلمى من السرير مباشرة إلى النافذة للاستطلاع وممارسة هوايتها في التلصص على الناس والجيران، فوقفت عيناها على الساكنين الجديدين وبصحبتهما طفل صغير جميل، كانت خطواتهما بطيئة كعاشقين، كانت المرأة متشبثة بذراع زوجها ملتصقة به التصاقة أم خائفة على ولدها من الضياع، وكانت تلك النظارات الشمسية التي يرتديها الرجل تزيده وسامة فوق وسامته !! وفجأة وبدون سابق إنذار رأت زوجها "السيد قشطة" يمر من جانب الزوجين ذاهبا إلى عمله، تأملت المشهد جيدا، كان المشهد رومانسيا رائعا وناعما إلا أن ظهور "السيد قشطة" قد أطاح بكل الجمال والرومانسية!! كان يتدحرج بكرشه في الشارع كالكرة، وقد انعكست أشعة الشمس على صلعته لتصيب بوهجها عيني زوجته التي لم تعد ترى جيدا، ثم أطلقت آهة "حارقة"
يا إلهي هل هذا رجل وذاك رجل؟
وهل يكون نصيب "سيد قشطة" إمرأة مثلي ونصيب ذلك الوسيم إمرأة مثل تلك؟
آ آه ... والله لك كل الحق أن تتشبثي به ذلك التشبث !!
سمعت صوت الباب يفتح، فغادرت إلى الداخل لتجد جارتها السيدة مجد في الصالة مرتدية ملابس الصلاة حاملة طبق "البيتي فور" لتبدأ على الفور جلسة النميمة الصباحية المعتادة.


تحدثتا كالمعتاد، وكان فاكهة الحديث هو الجيران الجدد، تحدثتا مليا عن وسامة الجار الجديد، وقبح زوجته الشديد، وتباحثتا في قضية زواجهما، واضعتين الفرضيات والنظريات العلمية للزواج، الأولى افترضت أن الشاب طامع في ثروة تمتلكها تلك القبيحة، والثانية افترضت أن الفتاة لا بد أن تكون قد عملت سحرا للشاب المسكين، ثم عادت الأولى وافترضت أن الفتاة هي قريبة الشاب وأن والدته أجبرته على الزواج بها ..، وما بين الشاي والقهوة أكلت لحوم الناس، ثم قامت السيدة مجد واقفة وقرأت دعاء كفارة المجلس وسلمت ثم أدارت ظهرها وعادت إلى منزلها وهي تسبح وتستغفر !!


توالت الجلسات وفي كل مرة يتم مناقشة الموضوع نفسه، وهو "كيف يمكن لرجل وسيم أن يتزوج إمرأة قبيحة كالجارة الجديدة" !!


وبعد طول مناقشات وحوارات، استنتجت السيدتان أن من المستبعد أن يكون الشاب طامعا بثروة "القبيحة" لأن علامات الثراء لا تبدو عليها، فهما يسكنان بالأجرة، ولا يمتلكان حتى سيارة، كما استبعدتا فرضية السحر، فقد شاهدتها المرأتان غير مرة في دروس الدين التي تحضرانها، وقد بدت عليها سمات الطيبة الخلق القويم.


في كل جلسة تضرب السيدتان "أخماسا في ألأسداس" وتناقشان "قضية زواج الوسيم بالقبيحة" !!
مر شهر وفي كل صباح يتم التلصص من خلف الستائر، لترى السيدة سلمى الزوجين غاديين رائحين إلى منزلهما، وكلما شاهدت ذلك "الجينز الأزرق الذي يزيده جمالا ذلك القوام المسبوك الممشوق، تذكرت على الفور أيام خطبتها إلى "سيد قشطة" عندما طلبت إليه لبس بنطال من "الجينز"، ولما لم يجد واحدا على قياسه، قام بتفصيل واحد في تركيا إرضاءة لها، ليبدو فيه كـ(محقان الكاز) وذلك لشدة اتساع محيط الخصر، وشدة ضيق البنطال من عند الأقدام !!


وذات صباح وفيما كانت السيدة مجد تتلصص من خلف الستائر، كعادتها، تابعتهما بنظرها، وشاهدت فتاتين جميلتين تمران بالقرب من الزوجين، راقبتهما جيدا، لتلاحظ أن الوسيم بقي ماشيا بهدوء وأدب برفقة زوجته، لم يلتفت يمنة ولا يسرة، أزداد إعجابها به بعد أن لمست جمال أخلاقه وأدبه الجم، لتتحسر على نفسها، وتتذكر زوجها الذي لا تخرج معه إلى مكان إلا ويزوغ بصره هنا وهناك، ما يسبب لها الإحراج الشديد، والمشاجرات بعد العودة إلى المنزل !!


توالت الأيام ما بين تلصص وجلسات نميمة، إلى أن حدث أمر رهيب ...


فذات غروب هرعت السيدتان مجد وسلمى إلى نافذتي منزليهما بعد سماعهما أصوات صافرات الإسعاف وأصوات جلبة وصراخ، لتقع أبصارهما على مشهد مروع، عدد هائل من الناس مجتمعين على مدخل العمارة المقابلة، ورجال الإسعاف يحملون جثة إمرأة وطفل صغير، دققتا النظر جيدا لتكتشفا الفاجعة، إذ لم تكن المرأة إلا الجارة زوجة الرجل الوسيم، ولم يكن الطفل إلا ابنهما !! أرسلت السيدة سلمى ابنها ليستطلع الأمر ويأتيها بالخبر، فذهب وما لبث أن عاد ليخبرها، أن حادث اختناق في الحمام قد وقع للسيدة والطفل الصغير، وأنهما قد فارقا الحياة !!


ذهلت السيدة سلمى من المفاجأة ولم تعرف ماذا تقول، ثم سألت ابنها عن الرجل، فقال أنه سمع الناس يقولون أنه بخير ولم يصبه أي أذى. أخذت السيدة سلمى تضرب وجهها بغير وعي وتصرخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنها عين مجد، صدقت يا رسول الله " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر" لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالله من عينك يا مجد ... أعوذ بالله!!


وفي الشقة المجاورة كان مشهد مماثل يتكرر، كانت السيدة مجد تضرب وجهها بغير وعي وتصرخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنها عين سلمى، صدقت يا رسول الله " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر" لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالله من عينك يا سلمى ... أعوذ بالله !!


مر أسبوعان على الحادثة والسيدتان تترقبان خروج الرجل المسكين بلا فائدة، يبدو أنه في حالة حزن شديدة ومنغلق على نفسه إلى أن جاء صباح وخرج الرجل ...


السيدتان تراقبان، يا ألطاف السماء ... يا إلهي


شهقت المرأتان شهقة واحدة وعقدت ألسنتهما المفاجأة، كان الوسيم يمشي بنظارته السوداء، ويتحسس طريقه بالعصا التي كان قد استغنى عنها بعد زواجه، فقد رحلت من كانت عينه التي يرى بها الطريق ...