الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

الأسبوع الثلاثون - أعراض جانبية





كلنا عرضة لأي سوء، قد تنتابك أعراض مرضية لم تختبرها من قبل؛ دوار، غثيان، رغبة في التقيؤ، تقول في نفسك " مجرد إجهاد، لن أكترث وسوف تذهب إلى حال سبيلها، غدا أكون على مايرام"، ولكن غدا لا يكون المروم، فالحال كما كان، بل أنه ازداد سوءا، إلا أنك قد تكابر اكثر وتمدد مهلة التعافي أسبوعا آخر، لكن الأسابيع لا تحمل أي إشارة تحسن، بل يزداد الحال سوءا، وعندما يبلغ الألم حدا لا يحتمل ..، تتحرك إلى الطبيب مسرعا، وفي الطريق إليه تهمهم بضيق ، الأن سيسألني عن عمري وطولي ووزني وعن تاريخي وتاريخ العائلة المرضي، سيعري نصفي الأعلى  (يا الله لقد كبرنا على التعري عند الأطباء) ثم يقول بصوته الرخيم (تمدد يا بني على السرير)  ثم تبدأ السماعة الباردة كما كانت دوما في الزحف فوق صدري، لكنني في هذه المرة سأطلب منه أن أسمع ما يسمع، سأحقق أمنيتي، فلطالما تمنيت عندما كنت طفلا أن أسمع ما يسمع الأطباء عبر تلك السماعة، فقد كنت دائما المسموع ولم أكن لمرة واحدة السامع..، كنت أتساءل دوما ...  ماذا يسمعون !!

قد يطلب منك صورا شعاعية ومغناطيسية، وأمورا ما أنزل الله بها من سلطان، لكنك تستحق كل هذا، فمن يخطيء فليستعد لدفع الثمن، وأكيد أنك فعلت أمرا ما أضر بعافيتك، قد يكون الإفراط في التدخين، قد يكون التفكير المستمر، قد تكون الأطعمة المكشوفة من على العربات المتجولة والثابتة، تحديدا (ساندويشة (الكباب) هذه الأخيرة، فقد كان منظر اللحم غير مطمئن، وكأنها قطط مسلوخة، إلا أنك لم تكن الوحيد هناك، فثمة شبان بعمر الورود كانوا يتحلقون حول العربة، وأنت لا ترى الآن أي واحد منهم يسلك طريقه إلى الطبيب كما تفعل أنت الآن !!

الحمد لله ... رد الطبيب جاء باردا، كما كانت السماعة (ألم يجدوا حلا لتدفئة هذه السماعة حتى الآن، فمنذ الطفولة حتى الآن وهي باردة؟)، لقد طمأنك بأن المشكلة بسيطة، مشكلة بسيطة في الأعصاب، يكتب لك الوصفة الطبية، ثم يودعك بقول "سلامتك"، ثم تودعك (السكرتيرة) هي الأخرى بعشرين دينار ثمن الكشفية !!

الدواء باهظ الثمن، مما يدفعك لقرأة النشرة المرفقة، وأول ما تقع عليه عيناك هو صفحة الأعراض الجانبية المكتوب عليها كالتالي:

 عادة ما تكون خفيفة إلى متوسطة غالبا دوار، صداع، إرهاق، نعاس، شعور بالغثيان، قيء زيادة الوزن، عصبية، أرق، اضطراب التوازن، حركات العين اللاإرادية وتشوش الإحساس، أحيانا يحدث وهن، رعشة، ألم في الظهر والعضلات، كسور أوديما الوجه، الأطراف أو الجسم كله، حكة جلدية، إضطراب الرؤية ( إظلام وازدواج الرؤية)، التهاب الأنف والبلعوم، سعال، اضطراب في الأسنان، التهابات في اللثة، تفكير غير متزن، اكتئاب، عسر التلفظ، ، عدم استقرار عاطفي، نادرا ما سجل حالات التهاب بنكرياس نزفي وأنماط من الحساسية، مثل ستيفنز جونز والحمامى المتشكلة، وأيضا سجلت حالات من السلوك العدائي وفرط الحركة عند الأطفال دون سن إثنى  عشر عاما، ازدياد الشهية، سلس بول، عجز جنسي، عسر الهضم، جفاف الفم، مسخن، مهلبية، كفتة بالطحين .. اكتبوا ستصبح (مصخرة) وانتهينا !!

تقول في نفسك: مستحيل، مستحيل أن أخذ هذا الدواء، علة واحدة خير من ألف علة، لو أصاب لا قدر الله  بنصف الأعراض أنفة الذكر، سأحتاج إلى طبيب نفسي، طبيب أسنان، أخصائي أنف أذن حنجرة، جلدية وتناسلية، باطنية ...، كم (سكرتيرة) ستأخذ مني عشرين دينارا، وأين وكيف؟ في هذه الحال، يجب أن أدعوا إلى اجتماع عاجل لــ(نقابة السكرتيرات) حتى يتسنى لي لقاؤهن دفعة واحدة !!

لكن الألم لا يتركك، فتقول في نفسك : حبة واحدة، لأجرب، لأغامر، أقرأ الشهادتين ثم ادفع الماء إلى جوفي بقوة، لكنك تستغفر الله على هذه الفكرة المجنونة..، أنها حياتك، أغلى ما تملك..، أنت الآن تتأرجح ما بين الألم وما بين احتمالية كارثة انسانية قد تحدث إذا ما تناولت هذا الدواء!

تذهب إلى الطبيب مرة أخرى، يتبسم في وجهك قائلا " ها ... كيف أصبحت" لكنك تدنو منه مترددا خجلا لتصارحه بموضوع الدواء ذي الألف عرض، يقهقه قليلا ثم يقول " هذه الأعراض تصيب أقل من واحد بالمئة من الناس"، فيأتي ردك سريعا (على أساس أنك حاذق)، ولماذا لا يكون هذا الواحد الذين تبحثون عنه هو أنا؟ فينظر إليك متعجبا بعد أن عدل من وضعية النظارات قليلا (وهو في الحقيقة يتمنى أن يصفعك ألف كف على خد واحد) ثم يقول : خذ الدواء يا بني وتوكل على الله ... توكل على الله ... لماذا قال ذلك !!  

الحمد لله، وضعك الآن طبيعي، وكل هذا أصبح سطورا من ذكريات، وها أنت الآن تمشي سليما معافى ...، وفي الطريق تصادف صديقا صغير السن، وبعد السؤال عن الأحوال والعمل، تلاحظ أن هناك انتفاخا خفيفا في عينه اليسرى، يتهرب من الإجابة المباشرة عن السبب، ولكنك بعد إلحاح، تعرف أن الصديق كان قد تعرض للضرب المبرح من قبل إخوان صديقته الحالية، تعود بك الذاكرة إلى أيام كنت فيها في مثل عمره، لم يحدث أن ضربت، لأنك كنت سريعا جدا في العدو ولين الجسم أثناء المراوغة، ولكن ربطا عجيبا يحدث ما بين نشرة الدواء ذي الألف عرض وبين الحادث الذي تعرض له صديقك الصغير، فهذا الشاب الذي أصيب بمرض الفراغ العاطفي خال أن الدواء قد يكون في حب أي فتاة، ولكنه نسي أن العلاج يكون مصحوبا بأعراض جانبية، تحديدا في المجتمعات العربية، فتتسأل في نفسك : لماذا لا يكون هناك نشرة أعراض جانبية  مرافقة لكل فتاة كأن تكون مثلا:

قد تظهر بعض الكدمات على وجهك بمعدل متفاوت اسبوعيا (حسب عدد القتلات)، فإذا كان لها من الإخوة اثنان (زينغو ورينغو) فستظهر الكدمات مرتين اسبوعيا، إذا كانوا ثلاثة (زعبور، فرفور،  شرشو) فأن الكدمات ستكون بمعدل ثلاث مرات اسبوعيا، قد تصبح شحاذا على أبواب الجوامع بــ(بربور) أخضر، ذلك أنها من النوع الذي يتردد على العرافات والسحرة، فتنال نصيبك من مختلف أنواع الحجب : وقف حال، وعدم التوفيق و ...، قد يصاب شرفك الرفيع بالأذى في حال الإفراج عن ابن عمها المحكوم بقضية (شرف)، ليكتشف فور خروجه أن الشرف أغلى ما يملك فــ................ !! 

لكن الغريب أنك لن تستغني عنها تماما مثل حبة الدواء ذات الأعراض الجانبية الألف .... 


www.osbo3yatjaber.blogspot.com