الأربعاء، 16 يناير، 2013

الأسبوع الثامن والثلاثون - الإعصار "كريمته"




    ذات يوم قادم، سيدخل أحد أحفادك إلى الصيدلية يشكو ألما خفيفا في المفاصل، يطمئنه الصيدلاني بأنه سرطان خفيف، يصرف له مضادا حيويا رخيص الثمن، وتنتهي الأوجاع في غضون أربع وعشرين ساعة !
 العلم في تقدم مستمر حتى أنك صرت تعرف مكونات الشمس التي لم تصل إليها، والفضول الإنساني لا ينفك يلاحق كل ما هو ملغز؛ فالإنسان عندما فرغ من تشريح جسده راح يسبر دهاليز نفسه، يريد أن يعرف كل ما يدور من حوله وفي داخله ! ولن يقتصر الفضول على العلوم المجردة، فللعلوم الشعبية نصيب من ثورة المعرفة، فذات مستقبل، سيعرف حفيد آخر لك اسم (الشو اسمو) التي كنت تقحمها في عباراتك بمناسبة وبدون، وسيعرف ما هو شغل (الشغلة) التي كنت دائما تشتمها (شو هالشغلة ... يلعن هيك شغلة)، وسيتم الكشف عن هوية المجهول الـ(بقلك) دائما، هذا الذي كانت تنسب له كل الأخبار (بقلك راح يرفعوا سعر الكهربا) !!
كل شيء ستسقط ورقته عن شجرة المجهول، باستثناء شيء واحد، المرأة التي ستموت ويموت سرها معها، فلا أفلاطون ولا سقراط ولا ديوجين ولا فونت ولا جيمس ولا فرويد عرفوا عنها أكثر من شكلها المادي، فهي كائن لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، أو حالته المزاجية متقلبة الطباع !!
صبية تنبض بالحياة تملأ سيارتك مكشوفة السقف رقصا وتصفيقا، ثم تطلب منك بتذمر أن تعود بها إلى منزلها ذلك أن الجولة على حد قولها كانت مملة ! يسارية تملأ الميادين حماسا ودبكا على أيقاعات (ابوعرب) الثورية، وفي الليل تنام على رومانسية "مروان خوري" حاضنة (دبدوبها) الأحمر! (مستجوزة) في عينها ألف كلمة تعال، وعندما تدنو منها يستدير رأسها إلى الجهة المعاكسة وتقول لك أنك آخر من يمكن أن تفكر فيه، تولي مدبرا بعدما صدقت ذلك، فتعاتبك بعدها لأنك ابتعدت عنها ولم تترك الفرصة لشجرة الحب أن تثمر ! بتول خجولة تمشي على استحياء، عيناها لا ترتفعان عن الأرض حد تمني معرفة لونهما، تصادقها، تأتيها ساعة الجنون ذات نزهة، فتواجهك بعين أقوى من عين "صفية العمري"  !! 
 أم حنون تشكو لها ضيق الحال وقلة الأشغال، تطرق متعاطفة، ترفع كفيها إلى السماء متضرعة إلى الله أن يفتحها عليك، ثم تذكرك عند الباب بأن تحضر في طريق عودتك وجبة مأكولات بحرية وتحلية خفيفة ! متزوجة تحرك الطبخة بيد وتقبض على سماعة الهاتف بالأخرى، ، تناقش آخر المستجدات في خطبة ابن (ام محمد) يتخلل النقاش الحديث عن قضايا سياسية كبرى، تسترسل في الحديث، يخرج من فمها مفردات من الشرق والغرب، يزل لسانها كثيرا حتى يعرف المتلقي لون سروال زوجها الداخلي، يصبح أصل الحديث الزلل والمنطق زلات عابرة، ثم تستغفر الله بعد أن تغلق الخط، وتلعن فمها الذي يخرج منه كل ماهو غير متوقع، مثل قبعة الساحر التي تخرج منها الأرانب والمناديل الحريرية !!
كل هذا وتقوم ناشطات بالاعتراض على تسمية الأعاصير بأسماء نسائية، ففي الغرب الذي يسمي الأشياء بمسمايتها دونما أي مواربة، تسمى الأعاصير بأسماء نسائية من مثل "ساندي"، "ريتا"، "بيتسي"، "كاثرينا"، لما في الإعصار من أوجه شبه عديدة مع المرأة فكلاهما لا يمكن التنبؤ بأفعاله ..،  ألم تصارحك زوجتك ذات صباح بأنها لم تر يوما حلوا واحدا منذ أن رأتك، بعدما كانت تقسم في الليلة السابقة بأنك شمعة عمرها !!
ثمة اختلاف في بلادنا، فكل مؤنث عيب حتى لو كان اسما، لذلك فقد كذب علينا مذيع الإعلام الرسمي العابس سنوات طويلة حتى تمكن من إقناعنا بأن الإعصار هو ذكر خالص واسمه منخفض، لكن الحال تبدل في السنوات الأخيرة وصار مذيع الإعلام الرسمي يكذب على الفراغ عندما دخلنا عصر الفضائيات والشبكة العنكبوتية، فالناس أخيرا عرفت حقيقة جنس الأعاصير !!
وهكذا وجدت بعضهم يسمون النسخة الأردنية من الإعصار الأمريكي "ساندي" باسم الإعصار "فتحية"، بيد أن أحد المخاتير المتمسكين بالتراث رفض التسمية، واقترح اسم "وضحا" كونه أكثر تجذرا في الفلوكلور الأردني، لكن ذلك لم يعجب الإسلامي المعارض، فأصر على تسمية الإعصار باسم "نزيهة" لما حمل من رياح عاتية نزيهة اقتلعت خيام وصور (الشنب والزقم والخشم والبراطيم) المرشحين للانتخابات النيابية القادمة، الاسم الذي لاقى ارتياحا في الأوساط التي تكره الصناديق التي لا تقبل القسمة إلا على صوت واحد، لكن رجلا محافظا أفسد نشوتهم عندما قال أن لا تسمية للأعاصير بأسماء سيدات ما دام أن الإعصار فوق أرضنا فهو (عرضنا) !!
اشتعلت الخلافات، وانقلب الناس بعضهم على بعض إلى أن رفع طفل صغير صوته مقترحا اسم "كريمته" ..، عم الصمت برهة، تسأل أحدهم : ومن تكون "كريمته" هذه، رد الطفل ببراءة : هذي التي تتزوج في العام ألف مرة، فاسمها موجود على أغلب بطاقات دعوات الزفاف ..، أطرق الجميع ثم ما لبثوا أن هزوا رؤوسهم موافقين، ثم علا صوت المحافظ قائلا : شريطة عدم وضع صورتها أو رقم هاتفها !!
أشرقت الشمس من جديد، ورحل الإعصار "كريمته" إلى مكان مجهول، وعادت الحياة إلى سابق عهدها ..، وأنا أفكر جديا بالرحيل عن هذا الكوكب المليء بالنساء والأعاصير، ففي لأعاصير غرقنا وعلى الأسماء النسائية اختلفنا !!

www.osbo3yatjaber.blogspot.com