الأربعاء، 9 يناير، 2013

الأسبوع السابع والثلاثون - بعد ما شاب زفوا الأصحاب




   على سريره الانفرادي حلم بالزواج طويلا، وكاد أن يسلم رأسه الفضي إلى اليأس مرات كثيرة، تحديدا، عندما كنت وبقية الأصدقاء المتشائمين نردد على مسامعه أن ألف حلم لا تأتي بواقع واحد، بيد أنه ظل يحلم حتى غادره الحلم يائسا وعاد حقيقة تمشي على قدميها، وها هو اليوم في طريقه إلى وضع اللمسة ما قبل الأخيرة ..،  شراء سرير (مجوز) !
وفي سبيله إلى ذلك الحلم العربي ماتت أجيال، وجاءت أخرى، وسقطت دول، وهرب حاكم وجاء آخر، لذلك، وإيمانا منه بخيالي الواسع وقدرتي على التعامل مع كافة الظروف؛ فقد رغب إلي أن أقوم بإخراج ذلك الحدث العظيم إلى الضوء بمنتهى البهاء؛ قرب رأسه الأبيض إلى رأسي النصف أبيض أثناء جلوسنا في المقهى المتداعي وهمس " اتكالي على الله ثم عليك..، أريدها ليلة العمر..، ولا تنس أن التاريخ كون في كتبه آلاف الجمل الجديدة أثناء تكويني لنفسي" !!
انتفضت من فوري وأعلنتها حالة طوارىء، وهكذا وجدتني أتنقل بين صالات الأعراس حتى أتخير الصالة الأنسب التي تليق بهذا الحدث التاريخي، إلى أن اهتديت إلى صالة (شرحة) بسعر يتناسب مع حجم جيبه الضئيل على الطريق الصحراوي !!
 وأمضيت وقتا طويلا في البحث عن بذلة مناسبة تليق برجل سيكون له دور البطولة للمرة الأولى بعد أن أمضى عمرا طويلا في صفوف "الكومبارس"، وفي النهاية استقرت ذائقتي على جاكيت بذلة أسود صيني نخب أول،  وبنطال كموني حتى يقيه شر (النفخة) التي تملأ معدته في المواقف الصعبة؛ فهو صاحب قولون سيء المزاج (عصبي) جدا، وكنزة صوفية سماوية  لدرء شر العين ( قبة خنق) حتى تخفي تجاعيد الرقبة، وحذاء أبيض (مستعمل لكن بحالة جيدة) أملا مني في أن يكون الباقي القليل من أيامه على وجه الأرض أبيض، أما بطاقات الدعوة، فقد احتفظت بأكثر من نصفها لأن أغلب أسماء أصدقائه الموجودة على القائمة المكتوبة بخط يده أعطونا ما تبقى من أعمارهم !!
 وفي يوم الزفاف الذي تزامن مع عيد ميلاده الخمسين، وقف أمامي وقد ترقرقت الدموع في عينيه وذكرني بأنه هرم من أجل هذه اللحظة التاريخية (دون أن يمسد شعره الذي صار أسود بفضل الصبغة )، ثم أوصاني أن أملأ الصالة فرحا وبهجة أنا والبقية من الأصدقاء، ذلك أن الإتكال على الله ثم علينا بعد أن مات الوالدان والكثير من أقاربه في رحلة (تكوين النفس)، وأن الشجرة المقطوعة التي هو منها لا تجيد الرقص أبدا !!
وكان له ما يريد، فقد رقصت وقفزت وتطايرت أنا وبقية الأصدقاء الشياب في (الزفة)، ثم وبحركة خاطفة، وعند باب الصالة تحديدا، قمت بدس حبة بيضاء مميعة للدم في جيب بذلته حتى يتناسب جريان الدم مع خفقات قلبه التي ترقص، وحبة أخرى زرقاء اللون حتى لا يخرج صغيرا من الليلة الكبيرة !!
وفي الداخل أشعلناها رقصا ودبكا، حتى أن العريسين الفرحين لم يتمالكا نفسيهما، فشبكا الأيادي معنا للدبكة، وصرنا نضرب الأرض بقدم، ونرمي الأخرى في الهواء عاليا، مما اضطرني للفت انتباه العروس ألى أن (الدوالي) في قدميها قد ظهرت أكثر من مرة أثناء رفعها لقدمها، كما ذكرتها بأن العريس يريدها أن تكون بكامل جاهزيتها، فقد تتسبب الضربات القوية المتتابعة على الأرض بكسر قدمها لعلمي أنها مصابة بهشاشة العظام !، كما أنني همست في أذن العريس أن يجلس خشية أن يتسبب العرق في انحلال الصبغة السوداء !!
وهكذا قمنا بالواجب أنا وبقية الأصدقاء الهرمين، وفي ختام الحفل، ولأن العروس المخضرمة طاعنة في السن والتجارب، وواسعة الثقافة والاطلاع، استدارت وعلى طريقة الأفلام الأجنبية رمت باقة الورد لصديقاتها، فوقعت الباقة في يد ستينية عانس، فشهقت ... معقول ؟؟ فرد أحد الأصدقاء " تفاءلي بالخير يا (حجة) أن الله على كل شيء قدير، يجعل الغصن أخضر في الخريف"، فأجابت بامتعاض سببه استعمال مصطلح (حجة) بأن سنين عمره الطويلة التي جعلت رأسه أبيض لم تكن كافية لتعليمه أدب مخاطبة الآنسات !!
انتهت ليلة العمر التي احتاجت إلى عمر من التعب في أقل من ساعتين، ومضى كل إلى غايته؛ كل شيء كان حاضرا، البهجة، الابتسام، الرقص، كل شيء كان بهيا، نضرا، فتيا ... إلا القلوب !!