الأربعاء، 23 مارس، 2011

الأربعاء الثاني عشر - كل عام وأنت حبيبتي






أتذكرين ... أتذكرين ذلك الصباح العفي الممتليء بأسباب البهجة، يومها قلت فيك غزلا ما قلته لامرأة من قبلك، ضحكتِ وسألتني ما إذا كنت قد نسيت لساني منقوعا بالسكر ليلة الأمس، فجاء ردي سريعا : " بل نسيته غافيا على خدك "، توردت وجنتاكي وقلتي : " لا تقصص ما قلت على امرأة غيري، نساء اليوم قلوبهن خفيفة"، ضحكت من قلبي وقلت : " على أساس أن قلبك فولاذي، وقد استحالت وجنتاكي تفاحا أمريكيا أحمر من شدة الخجل "" !!
لطالما اشتهيت أن أقضم خدك، لكني كنت مؤمنا بأن قلب المرأة على خدها، كنت أخاف على قلبك الذي ينبض بحروف اسمي !!

أحيانا ... يحدثني أصدقائي عن تفاني جبيباتهم، يقول أحدهم مثلا : " تصور أن حبيبتي تنازلت عن راتب شهر كامل لتشتري لي في يوم ميلادي هذه الساعة التي تزين معصمي "، فأرد عليه " تصور أن حبيبتي تجردت من كل أساورها الذهبية وتخففت من أقراطها يوم أحست أني في ضائقة "، فيقول : " ياسلام "، فأشرح له بأن ما يربطني بمحبوبتي حبلا سريا وليس محبسا معدنيا !!

غريب أمرك يا حبيبتي ... فأنا المعروف بنزقي وحرارة دمائي، حتى أنها تكاد تحرق عروقي، أكثر ما يطيب لي سخريتك علي، فلا زلت أذكر ذلك اليوم الذي وضعت فيه نظارات شمسية للمرة الأولى في حياتي، تسلقتني نظراتك من أخمص قدمي حتى ناصيتي وقلت بلكنتك الشامية : " بيلبق ... صار للشوحة مرجوحة ... ولأبوبريص قبقاب " !!
ضحكت يومها حتى ألمتني خاصرتي، وكم أفتقد اليوم سخريتك وخفة روحك وأمثالك الشعبية الشامية، فأنا لا أذكر أننا تبادلنا يوما الأحاديث الجادة، فكل الكلام الذي كان بيننا "كوميديا" خالصة، في جلسة الشاي الصباحية، في جلسات الطرب أثناء استماعنا لمطربنا المشترك "كاظم"، في الطائرات، في الباصات، في الأعراس، حتى في مجالس العزاء !!
حتى في بكائك، وذهولك، واصفرار وجهك، كانت مفرادتك المضحكة تطفو فوق دمعاتك، عفويتك ردود أفعالك، كلها كانت سعادتي ... أدخلوني إلى غرفة العمليات، كانت جراحة بسيطة جدا، وفي الخارج كنت تذرفين الدمع، فتحت عيني، وأول ما رأيته وجهك الذابل على حالي، لم أكن أعرف أن الجراحة تمت بسلام، فقد كنت لا أزال تحت تأثير المخدر، فتحت فمي لأسألك عن موعد العملية، فطفح الدمي من فمي، فما رأيتك إلا وأنتي تسقطين مغشيا عليكِ، ليتحول فريق الأطباء والممرضات من فوق سريري إلى فوق سريرك ! ويغرق المكان في الهستيريا، ضحكت وأنا في ذروة الألم، فمرافقة المريض التي يفترض أن تشد من أزره، صارت مركز اهتمام المستشفى بأكمله، وصار على المريض أن يشد من أزر مرافقته، وأن يتابع مع الأطباء آخر تطورات وضعها الصحي !!
وكلما تذكرنا تلك الحادثة في جلسات الشاي الصباحية، صرنا نضحك من قلب القلب، كنتي تقولين : " غط على قلبي " عندما رأيت الدماء تسيل من فمك " !!

لكني عاتب اليوم عليك، ولولا يقيني بأن صدرك أرحب من الفضاء الذي تسبح فيه الكواكب لما تجرأت أن أنبس ببنت شفه، فلقد كنتِ تعلمين بأني راهنت القدر عدم قدرته على تفريقنا، فلماذا مددت يدك لملك الموت عندما زارك للمرة الأولى، ألم تعلمي أن القدر هو الذي أرسله، ألم تعلمي أن للقدر يدا خشنة سوداء غادرة تكسب الرهان بكل الطرق الغير مشروعة !!
كنت أمل أن تقولي له لن أذهب معك، فبيني وبين من أحب وأعشق رابطة دم وذكريات ... فكيف هانت عليك الذكريات ... وتركتي جسدك جثة باردة مسجاة على السرير حتى أزداد أنا حرقة وقهرا، يومها ... قرأت في عينك المتجمدة أننا لسنا سوى شراع مهتريء عندما تهب رياح القضاء، كم نحن مخدوعون بني البشر !!

لماذا لم تزوريني ولو مرة كل ألف عام، فعمري من بعدك ستة ألاف عام، فكل عام فيه ألف عام، ففي غيابك صار الهواء ثقيلا كما الزيت، وما عاد للحياة بهجة، وقرص الشمس ساعة المغيب صار نحاسيا كئيبا وما عاد مثل ما كان أحمر ساحرا، وفي غيابك ... تيبست خدودي لأنها ما عادت تسقى من ريقك الأعذب من نهر بردى، وفي غيابك .. سقطت كثيرا، وكم أكره الوقوع اليوم، فأنا لا أسمع إلا صوت عظامي، ولا أسمع صوتك " اسم الله عليك "، وضاقت علي دنياي وضاق رزقي، فكفاكي ما عادتا ممدوتين إلى السماء بالدعاء، عودي ولو مرة، ومسدي قلبي براحة يدك عله يشفى، فقلبي من بعدك مضغة رماد !!

لست عاتبا يا أمي، ولكنه اليتم الذي يعلو عواء ذئبه في قلبي كلما احتفل الذين لهم أمهات بعيد الأم،
أحبك جدا، وأشهد أن كل البيوت التي سكنتها كانت زنازين إلا بطنك "قصر الرحمة" الذي سكنت فيه أشهرا تسعة، وأشهد أن لا غفوة أمنة كانت إلا على يديك، وأشهد أن لا قلبا خفق لطلتي إلا قلبك، ورأسي ما عرفت الدفء إلا على صدرك ... فكل عام وأنت حبيبتي يا أمي
كل عام وأنت حبيبتي

http://www.osbo3yatjaber.blogsopt.com/