الأربعاء، 2 مارس، 2011

الأربعاء التاسع _ الخاصرة اللحوح



الأنباء الواردة من أرض الوطن، حملته على التفكير جديا بحزم حقائب الرجوع بعد اغتراب زاد عن العشر سنوات، فقد بلغه أن أمه مصابة بمرض نادر حارت به أطباء العالم من المدينة الطبية إلى "مايو كلينيك"، حكة شديدة في الخاصرتين جعلت ليلها نهارا !!

وما بين شيطان يعده الفقر إن هو عاد وترك شجرة النجاح التي أينعت وبدأت تؤتي أوكلها، وضمير يلح عليه بالرجوع، لأن مال الدنيا لا يساوي عبارة ( الله يرضى عليك يمة)، ينشطر الفتى إلى نصفين مثل قمر صار هلالين، واحد في أقصى يمين السماء، وآخر في أقصى الشمال.


يغافل ضميره الحي الشيطان في قيلولته، ويعود الفتى إلى دياره تاركا وراء ظهره كل شيء، لا يرى أمامه إلا صورة أم فارقها منذ عقد من الزمن.

تنحسر المسطحات الزرقاء والخضراء بعد ست ساعات من الطيران، لتحل محلها المساحات الصفراء، فيدرك الفتى أنه يحلق فوق الأراضي العربية، وهناك فوق تلك الأراضي الصفراء العطشى، أم قلبها أشد عطشا لرؤية ولد مرت سنين غيابه دهورا.

المضيفة الحسناء التي قد تكون آخر شييء جميل يراه، تهنيء الركاب على سلامتهم، و الفاصل الآن بين قدميه وأرض الوطن هو سلم الطائرة، ومن بين كل الوجوه المترقبة، يلتقط وجه أمه المتعب، فيركض نحوه بجنون، ولا يلبث أن يقبل وجنتيها حتى يلقي برأسة على يديها اللتين صارتا خشنتين بالتقادم، فيطبع القبلة الأولى، ولكن الثانية تطبع بريق خفيف، فأمه تسحب بيدها لتهرش خاصرتها، فيحزن عندما يشاهد بعينيه ما كان يسمع عن معاناتها.
وتمضي أيام قليلة، قبل أن تستدعيه في أحدى الليالي لتحدثه عما يؤرقها، ويقرأ في نظراتها ما يجول بخاطرها، ففي عين الأم كلام عن عمر أزفت نهايته، وهي لا تريد أن توارى الثرى قبل أن ترى وحيدها عريسا ... فيرضخ الولد البار لرغبات أمه.

وتبدأ رحلة البحث وطرق الأبواب، وتطول الرحلة، ويمل الفتى الذي لا رغبة له في الزواج، والأم التي تشعر بدنو أجلها تجول بين البيوت متمايلة على مهل هارشة خاصرتها لا تمل !!

وفي كل مرة يظن الفتى أنه وجد مبتغاه، يتفاجاء برفض أمه، فذات مرة زارا منزل فتاة جميلة ذات خلق، ولكن الأم أبلغت ولدها في طريق العودة بالرفض، معللة بأن هذا النوع من الفتيات يهرم ويشيخ بسرعة !! وفي مرة أخرى أبلغته بالرفض بحجة أن منزل العروس يقع على درج، فتعجب من السبب، فراح يسأل أمه ما إذا كان سيسكن في بيته أو في بيت أهل العروس، فجاء جواب الأم " وكيف لجدتك وهي التي لا تسطيع المشي أن تصعد ذلك الدرج لتعاين العروس"، فصعق من هذا الرد، لأن جدته إمرأة عجوز خرفة، فقدت حواسها الخمس، وقبل يومين عندما دخل عامل الأنابييب بيتهم ليستبدل أنبوبة الغاز، سألته الجدة ما إذا كان مرتبطا أم لا، لأنها تبحث عن عروس لحفيدها ... لقد ظنت الجدة أن عامل الأنابيب فتاة جميلة !!

وحدث الكثير الكثير، فمرة كانت الأم تتذرع بكبر حجم أنف العروس، ومرة برفع اليدين، ومرة ... ومرة... بيد أن الرفض الأغرب، كان عندما تشأمت من عرقوب إحدى الفتيات النحيل، مبررة ذلك التطير بأن هناك معتقدا قديما مفاده أن الفتاة ذات العرقوب النحيل قدمها شؤم على البيت الذي تحل فيه !!

وتنتهي الرحلة، عندما تجد الأم فتاة طيعة مطيعة، تلبي ما يمر على بالها من نظرة، وفي حفل زفاف مهيب يدفع فيه نصف شقاؤه في بلاد الغربة، ترقص الأم حد الجنون، وكأنها تطرد الأرواح الشريرة من جسدها مثلما تفعل النساء في حفلات (الزار)،

وتختفي الهرشة ... منذ تلك الرقصة !!

وتمضي الأيام ... والفتى الذي صار رجلا ينصرف إلى حياة ليست مثل سابقتها، وهو الآن، بعد عشرين عاما إلا قليلا، يمضي نصف يومه في النوم، والنصف الآخر في المسجد، فهو لا يستطيع أن يزاول الحياة كما البقية من الناس، فإذا جلس في البيت سيضطر لسماع مكالمات زوجته الهاتفية مع أمها وأخواتها التي تمتد من الصباح حتى ساعة الغداء، أو ستأتي أمه التي جعلته يهجر غربته ليغترب في وطنه، تلك الأم التي لا زالت حية تسعى بكامل صحتها وعافيتها، وهي التي كانت تحتضر قبل عشرين عاما !!، ستأتي لتبادله حديثا لن يجد فيه انسجاما، وإذا ما خرج إلى الشارع فستؤذي عيناه مشاهدة فتيات الوطن اللواتي يشبهن بعضهن بعضا حد التطابق، وقد صارت رؤوسهن مثل أسنمة الجمال بسبب الكرة التي يضعنها تحت (حجاب الأميرة) لتصبح رؤوسهن أكبر من أجسادهن، أو بسبب بناطيلهن الساحلة التي تسمى (جزرة) والتي تفضح قصر أقدامهن، ولشباب الوطن حكاية أخرى، هؤلاء الشباب الذين يضعون على شعرهم "الواكس" ليصبحوا مثل منفضة الغبار، أو بسبب أحذيتهم التي تمتد أبوازها إلى ما لا نهاية !!

ولده الذي خرج به من الدنيا في الشهور الثلاثة الأولى من زواجه، قبل أن يصاب بالعجز الجنسي الذي سببه توالي فواتير الكهرباء والماء وفواتير الأطباء، وارتفاع الأسعار بشكل يتناسب تماما مع تناقص الدخل المستمر !! والحياة بمجملها التي يحياها _ عيشة الكلاب _ الغير صالحة للاستهلاك الحيواني، ولده هذا كبر اليوم وتجاوز امتحان الثانوية العامة بتفوق، لذلك قرر بطل قصتنا أن يستثمر بقايا عقله المتبقية قبل أن تتلف هي الأخرى، فقرر أن يرسل ولده إلى الخارج لاستكمال دراساته العليا.

وفي المطار، يهمس في أذن ولده في غفلة من الأم، فيقول " إياك والعودة إلا ميتا"، وتقلع الطائرة وتبتعد حتى تغيب في زرقة السماء، وتعاود سيارة الأبوين وجهتها نحو منزلهما،

وفي منتصف الطريق ...
تهرش زوجته خاصرتها، فيركن السيارة إلى جانب الطريق، ويطفيء المحرك، ثم يأمرها بالنزول، ويخرج من جيب السيارة شريطا كان قد اشتراه لإتمام خطته ، يضع الشريط في المسجل، فيكون الشريط (رقص شرقي)، يرفع الصوت إلى المستوى الأعلى، وينزع منديل زوجته عن رأسها، ويحزمها به، ويأمرها بخلع حذائها والصعود فوق سقف السيارة، فترقص الزوجة حافية القدمين، والرجل يصفق بشكل هستيري ويقول :


كلما ألحت عليك خاصرتك ... أرقصي ودعي ولدنا لمستقبله !!